عندما تمتلك القدرة على الإنصات، وتكون لديك الرغبة الشديدة في مقروئية الماضي، وذاكرته المعرفية والتراثية، فما عليك إلا أن تصغي لتلك العفوية والتلقائية والاستدعاء المتشوف الرافل بالصدق والأمانة وانفتاح الذاكرة، التي يمثلها الطاعنون في السن وهم يسترفدون سنوات ومكنونات الحياة الصعبة، ولكن الصديق الباحث الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله آل حامد كفانا مشقة وعناء البحث والمكابدة عن بعض أولئك الطيبين، حين سجل ما استبطنه العقل النسقي وتطبيقاته عن "العادات والتقاليد والأعراف في إقليم عسير" فقدم دراسته الوثائقية وحقق منجزه الضخم من إصدارات نادي أبها الأدبي قبل عشر سنوات، ففي فصل "أعراف وعادات السفر للحج في منطقة عسير يقول: "كان السفر للحج من الأمور الشاقة، حيث يقوم الحجاج بتوديع أهلهم وجماعتهم وداع من قد لا يعود، فيعمدون إلى كتابة وصاياهم وإبلاغ من يثقون فيه، ويسير أهل القرية بمصاحبة المسافر حتى نهاية مشارف القرية وهم يلهجون بالدعاء بأن يعيده الله سالماً، وكان الاستعداد للحج يبدأ قبل فترة زمنية طويلة، وعندما يحين وقت الرحيل يذهب الحجاج في مجموعات تسمى "عصبة"، وكان أغلبهم يذهب مشياً على الأقدام والقليل منهم راكبا، واعتاد أغلب الحجاج على اصطحاب أسلحتهم خوفاً من قطاع الطرق، ويطلقون على الشخص الذي يحج للمرة الأولى "سرارة" كان مرور قافلة الحجاج "اليمنيين" من الأحداث الكبيرة في إقليم عسير، حيث اعتادت هذه القافلة على جلب كثير من السلع، التي يحتاج إليها أهل البلاد مثل القهوة والقشر والزبيب والأقفال الصنعانية والمصنوعات الجلدية والعطورات، ولصعوبة السفر في الماضي ورأفة بالنساء كان من النادر أن يسافرن لأداء فريضة الحج، والمتبع أن يقوم أحد الأقارب بأداء الفريضة عن قريبته، أو أن يوكل أحد الأشخاص لأداء الفريضة مقابل مبلغ مالي، أو أن توصي المرأة بجزء من أملاكها كأجر لمن يقوم بأداء فريضة الحج عنها، وتذكر إحدى الوثائق أن أجرة أداء الحج عام 1345 كانت عشرة ريالات فضة "فرانسي" وبعد أداء الحج يقفل الحجاج راجعين إلى ديارهم، محملين بالهدايا التي تسمى "مكاسي"، ويتحين الحاج عودته نهاراً ليحتفلوا بقدومه، ويبعث إلى أهله شخصاً يدعى "المبشر" لإخبار أهله، وقد تطلق النار في استقباله وتقام العرضة عند بعض القبائل، ويجتمع أهل القرية في منزل الحاج، حيث يلقي عليهم "الردودة" التي تروي جميع مراحل الرحلة وأحداثها بالتفصيل ويقوم كبير الجماعة بالرد، بعد ذلك يبدأ الحاج بتقديم الهدايا كالعمائم وأغطية الرأس والجوخة والبشت، وللنساء الأقمشة والمناديل وإبر الخياطة وتسليم الودائع".