إحدى مشاكل الأمراض النفسية أنها لا تعبر عن نفسها مباشرة كما هي الحال مع الأمراض العضوية. الأمراض العضوية في الغالب لها علامات مباشرة فالصداع له علاماته الواضحة وأمراض البطن كذلك وهكذا. أما الأمراض النفسية فيتم التعبير عنها بسلوكيات معينة من السهل على الفرد والمجتمع تفسيرها بأي تفسير. على سبيل المثال الاكتئاب مرض نفسي معروف وصعب وله علاجات معروفة سواء كيميائية أو سلوكية، المشكلة هنا أن هذا المرض، في البيئات غير العلمية، يتم تفسيره بعدد مفتوح من التفسيرات كثير منها يتسبب في زيادة المرض لا نقصه. فالمكتئب قد يفسر بأنه مصاب بالعين والحسد أو مسحور أو تطارده لعنة ما أو أنّ هناك روحاً شريرة تحيط به.
ظهرت بهذه الملاحظة بعد زيارتي الأخيرة للوطن الحبيب، حيث لاحظت أنّ كثيراً ممن قابلتهم متورطون في أفكار خطيرة جدا تتسبب في تحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق. فالكل مؤمن أنه مصاب بالعين أو بالسحر ورسم حوله سلسلة من الشكوك والتوقعات في الناس المحيطين به حتى لم يعد في المكان من يثق فيه حتى أقرب أقاربه. فكرة العين والحسد أصبحت فكرة مسيطرة وتحظى بحضور قوي كتفسير للأحداث التي يمر بها الإنسان. ومن المعلوم أن الفرد منا يواجه يوميا مجموعة من المواقف والأحداث التي يمكن أن نصنفها بأحداث إيجابية أو سلبية أو محايدة ومن السهل على الإنسان تأويل حدوثها في أي اتجاه يتوافق مع أفكاره.
التفكير الطبيعي أو العقلاني المباشر هو تفسير الأحداث في سياقها الطبيعي الذي ظهرت فيه والابتعاد عن أي تفسير آخر غير واضح ولا مستند على منطق، وهذا تفسير أقرب للموضوعية وأبعد عن المشاعر الفردية الخاصة. فالسيارة حين تسرق فهو بسبب وجود سارق ربما استغل إهمال السائق أو ضعف الرقابة الأمنية. إلى هنا ونحن في التفسير الطبيعي ولكن الإنسان المكتئب المؤمن بأفكار مثل الحسد والسحر قد يذهب به الخيال إلى أن عين فلان هي التي تسببت في هذا الحدث، أو ربما عين فلان الآخر، هنا يدخل الفرد في سلسلة من الشكوك والتخوفات مما ينعكس على علاقته مع الآخرين ويفقد بالتالي طمأنينته الاجتماعية مما يؤدي إلى مزيد من الأزمات النفسية المتتابعة.
مما يزيد هذه الإشكالية إشكالا أن هناك أفراداً يستثمرون هذه الأجواء ويتحولون إلى منقذين للناس ولكن ليس بإخراجهم من الأزمة كلها بل بإبقائهم فيها مع دعوى تحريرهم جزئيا من أزمتهم. ففي المجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات تظهر مجموعة من الأفراد المنقذين ويداوون بذات الداء. لهؤلاء أسماء مختلفة، مقرئ، شيخ، طارد أرواح... إلخ، يدّعي هؤلاء أنهم يملكون مهارات خاصة تسمح لهم بعلاج مثل هذه الأمراض ولكن الغالب الأعم أن يبقى مرضاهم يطاردون حلما طويلا بالشفاء لا يتحقق في كثير من الأحيان بدليل أن الناس يتداولون بشكل سريع قصة فلان أو فلانة الذين شفوا مما يدل على أنها حالات شاذة جدا يصاحب شفاءها احتفاء غير طبيعي بينما لا نجد في الاتجاه المقابل احتفاء بأن طبيبا ما عالج مرارة أو صداعا أو ارتفاعا في ضغط الدم وهكذا...
بل إن ما يزيد الأمر إشكالا هو أن هؤلاء الأشخاص، أي المعالجين، يؤكدون للناس فرضية وجود مسّ أو عين أو سحر مما يدخل الفرد المتردد قبلا في دوّامة خطيرة. فالفرد الذي يذهب للمعالج مترددا بين التصديق والتكذيب يخرج غالبا مصدقا بأنه ممسوس أو معيون مما يجعله يدخل في مرحلة أكثر خطورة ومأساوية. مشكلة أخرى تكمن في أن هؤلاء المعالجين يقطعون الطريق بين الإنسان وإصلاح حاله. فما يقولونه له هو التالي: الأمر خرج من يدك ولا قدرة لك على مقاومته ونحن المؤهلون فقط لعلاجك، ليس الأمر متعلقا بطبيعة حياتك أو بنمط تفكيرك وعيشك بل هو بسبب قدرات خارقة لا سيطرة لك عليها وليس لك إلا طريقنا هذا لتخرج من الأزمة.
نلاحظ هنا أن مريض الاكتئاب الذي يعاني ربما من نمط حياة ضاغط أو سوء في اختيار نمط حياة معيّن أو ربما بسبب خلل كيميائي معين، بدلا من ذهابه لطبيب يخبره أنه يمر بمرض يمر به ملايين البشر ويحتاج منه التزام بالعلاج وفتح الأفق للتغيير في طبيعة حياته، بدلا من هذا كله يغرق في عالم مرعب ومخيف وينذر بمزيد من الأزمات المتتالية.
في مجتمعنا يواجه كثير من الناس مشكلة أساسية وهي اختلال معادلة (عمل، إيمان، ترفيه). فنسبة البطالة المرتفعة تتسبب في إحداث خلل في حياة الشباب لن يؤدي بهم إلا لمزيد من الأزمات النفسية كما أن العاملين أنفسهم يفتقدون إحساسهم بالإنتاجية وبالتالي المعنى. فغالبة موظفي القطاع العام غير منتجين ولا يشعرون بقيمة أعمالهم. ولا شيء أتعس للإنسان من أن يستيقظ صباحا ولا يجد أمام عينيه معنى لحياته وهدفا يسعى لتحقيقه. كما أن غياب الترفيه من حياة الغالبية أمر في غاية التأثير السلبي، أتحدث هنا عن الترفيه الحقيقي المتمثل في الرياضة والفنون والسفر والاكتشافات وممارسة الهوايات والاستمتاع بالأوقات وليس مجرد الاستلقاء في الاستراحة ومطاردة القنوات الفضائية أو الثرثرة اللامنتهية مع مجموعة ثابتة من الناس أو قضاء الوقت في التهكم بالناس والسخرية منهم. فقدان الناس للإنتاجية في الحياة وللترفيه يجعلهم عرضة محتملة جدا للأزمات والمشاكل النفسية وفي ضل غياب التفكير العلمي، حتى عند كثير من حملة الشهادات العلمية، يجعل من الناس فريسة سهلة للشعوذة والأفكار الخرافية ويدخلهم في دوامة من الأزمات الحقيقية مع الذات ومع الآخرين ويبقى محجوبا عن إدراك الخلل العميق في معادلة حياته والتي يمكن أن تصف علاج أزمته بالشعار التالي: اجعل لحياتك هدفا وتعلم كيف تفرح.