الإيمان والشغف ينجبان بعضهما، وفي الوقت نفسه يكبران معاً، الضمور في أحدهما ضمورٌ في الآخر. بقدر ما تؤمن به بقدر ما يلسع الشغف قلبك، وينسرب في وجهك ولسانك وحتى في مناماتك. الشغف يأخذ خُطاك، يصمم مِشيتك، يفاقم ضحكك وبكاك، يوقظك قبل أن يحين الموعد، يُهندمك، يُصفّف قلبك ويرتب الوضاءة في عينيك، ثم يستدير حولك.. يحيطك بالهالة. لا تسأل من أين يجيء هذا الإيمان، وهذا الشغف، السؤال هنا اعتداء على تمام العفوية، طعنٌ في الرقة. امض فقط في الحياة، تقلّب فيها، هذا ما سيقوله لك الشغوفون دوماً. الفيلسوف الهندي سادجورو شرح مرة أن على الآلام أن تمزقك قبل أن تمنحك الحياة سريانها الكامن، وقبل أن تصير جاهزاً لإشعاعها لا بدّ أن تعلكك حتى تتعب منك.

محمد علي علوان.. يكفي أن تلقاه مرّة كي يعبر في نفسك كالنسمة الطيبة، يوقد حسّك بذاكرات القرية والمدينة، تقرأهما في كلماته وشخصه، يمكنه وبدقةٍ وعذوبةٍ أنيقة أن يملأ المسافة ما بين أبعد شيئين، يولّفهما ويمنحهما الهالة والجاذبية، هات قريةً في الضواحي، وهات مدينةً ضخمة، ضع محمد علوان بينهما، وستكونان في انسجامهما السويّ، ليس في اللغة والكتابة ودهشة الكلمات فحسب، بل وفي الشخص والإنسان، في القلب الواسع والنفس السمحة، فيما بقي لدينا من صفاء الكائن، نقاء الضحكة والغضبة. اقرأه وقابله.

في مجموعته القصصية الأخيرة (هاتِف) الصادرة هذا العام عن نادي أبها الأدبي، وتوزيع دار الانتشار العربي في بيروت، ستلتقطك اللغة، الفكرة، العذوبة، وسيؤكد لك كما تعلمت دوماً أن البساطة محك الفنان العظيم، الفنان الذي يذهب بك لأعمق ما يمكن بأقل حمولة، بأقل التواءٍ ممكن، وبسحريةٍ غير متوقعة يقذف بك في المفاجأة والدهشة. مثلاً وفي قصة قصيرة، عنوانها "درج" يقول محمد علي علوان: "وسط مدينة الرياض، شارع الخزان، هُدم بيتٌ طيني، الجدران، النوافذ، الأسوار، والغرف ذهبت جميعاً. الدرج الذي يبدأ من الطابق الأول إلى الثالث ظل متماسكاً. لكنه يُفضي إلى المجهول!". هل عبرتكم هالة الفنّ! قصة مثل هذه، من سطرين ونصف، يمكنها أن تحبسك طويلاً وأنت ترى خلف كلماتها المضغوطة، بوجعٍ ومهارة، وجوهاً وثقافات وأفهاماً وزمناً وآلاماً صنعت الهدم والخراب، وستستوقفك حسرة هذا الدرج المتماسك، الذي يفضي إلى المجهول، أكثر مما تهدم في البيت كله.