في 29 سبتمبر 2013 كتبت مقالا بعنوان "الاحتباس الحراري.. متى يعي ضمير العالم؟" ذكرت فيه نتائج بعض الدراسات العلمية التي تقول إن الاحتباس الحراري سيقضي على مائة مليون نسمه خلال العشرين سنة القادمة، معظمهم من الدول النامية. وأعقبت ذلك المقال بمقالين عن نفس الموضوع خلال الفترة من تاريخ ذلك المقال إلى سبتمبر من هذا العام. مشكلة الاحتباس الحراري لا تحظى بالاهتمام المطلوب والمأمول من الدول المتقدمة بالرغم من عقد الأمم المتحدة مؤتمرين، أحدهما هذا العام في نيويورك وتحديدا في في 23 سبتمبر، والسابق في بون الألمانية في 15 يوليو 2001 جمع 180 دولة من دول العالم. في المؤتمر الأول رفض الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش أن تنفذ بلاده اتفاقية ذلك المؤتمر بحجة أنها تضر بالاقتصاد الأميركي، ويعترض بشكل خاص على الخطة التي تتضمنها المعاهدة لتخفيض انبعاث الغازات الملوثة للجو بنسبة 5% أقل من معدلات عام 1990 على مدى السنوات العشر المقبلة، كما يصر على إشراك الدول النامية في الاتفاقية. وفي مؤتمر نيويورك الأخير الذي جمع 160 دولة من دول العالم طالب فيه الأمين العام زعماء العالم باتخاذ خطوات جريئة لإنجاح القمة ووضع ضوابط لخفض الانبعاثات السامة والعمل على تعزيز جهود التكيّف مع تغير المناخ، وتعبئة الإرادة السياسية لاتفاق قانوني نهاية 2015 في مؤتمر باريس الذي سيرسم خطة المفاوضات التي ستشهدها الأشهر الستة عشر المقبلة بهدف التوصل إلى إطار قانوني واتفاقات جديدة تلتزم بها جميع الدول.

يبدو أن مواقف بعض الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة، قد تغير، حيث أبدت جديتها في هذا المؤتمر من خلال عقد وزير خارجيتها لقاءات ومؤتمرات عديدة بهذا الشأن. ولعل الأضرار الجسيمة نتيجة التغيرات المناخية باتت أقوى من أن يغض الأميركيون وحكومتهم النظر عنها، لا سيما أن إعصار "ساندي"، الذي ضرب جزءا من الساحل الشرقي وأجزاء من نيويورك في 2012؛ قد أثار مخاوف في نفوس الكثيرين بسبب التغيرات المناخية، فضلا عن نوعية وفترات الجفاف التي ضربت أجزاء من كاليفورنيا، والتي ألقت الضوء بشكل أكبر على تبعات الانحباس الحراري. ويبدو أن هذه الأسباب مجتمعة، دفعت الولايات المتحدة إلى التحرك بشكل أسرع للتوصل إلى حلول أفضل. وبالرغم من ذلك ما زالت هناك شكوك في سياسات الدول الصناعية المسؤولة بشكل أساسي عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والانحباس الحراري، وتفاؤل أقل تجاه جدية تبني مقترحات هذا المؤتمر من قبل الدول الصناعية الكبرى. الاحتباس الحراري مشكلة عالمية كبيرة جدا، درسها العالم وعرفها وتأكد من أسبابها، وبقيت المشكلة، وهذا من السخرية المتناهية، والحقائق المؤرقة المتعلقة بهذه المشكلة تؤكد أنها من صنع البشر، وأنه سينتج عنها وفاة عشرات الملايين من البشر خلال العشرين عاما القادمة، وفق الدراسات العلمية المتعلقة بالاحتباس الحراري.

في يوم الجمعة 27 سبتمبر 2013 اجتمعت لجنة من علماء المناخ على مستوى العالم وأكدت بقوة أن "من المرجح للغاية أن التأثير البشري كان السبب المهيمن على ظاهرة الاحتباس الحراري منذ 1950، وحذرت من مزيد من ذوبان الجليد السريع وارتفاع منسوب مياه البحار إذا كانت الحكومات لا تتصرف بحزم وعقلانية للحد من وتيرة انبعاثات الغازات الدفيئة، والسبب كمية الكربون التي تم التعرف عليها والتي يمكن أن تنطلق إلى الغلاف الجوي، والتي لها تأثيراتها الضارة على البيئة في المستقبل، مع ارتفاع درجة حرارة المحيطات، والأنهار الجليدية والصفائح الجليدية التي سوف يستمر ارتفاعها عن متوسط مستوى سطح البحر وبوتيرة أسرع مما كنا نشهد". وقدمت اللجنة تقريرا مرعبا لصانعي السياسات الحكومية.

التقرير ذو الـ2000 صفحة يحتوي على مفاجآت غير سارة، منها أن منسوب المياه في البحار سيرتفع بين 10-12 بوصة (26-28سم) وذلك بفعل تسارع وتيرة الاحتباس الحراري الذي يسببه البشر، وبعض النتائج تشير إلى أن الاحتباس الحراري قد ارتفع خلال العقود الثلاثة الماضية بوتيرة لم يشهدها العالم منذ بدء الثورة الصناعية في 1850. وقد زادت تركيزات الكربون في الغلاف الجوي 40% منذ ذلك الوقت، و"زادت التركيزات في الغلاف الجوي مجتمعة من ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات الماضية".

في العقدين الماضيين، فقدت "جرين لاند" نسبة كبيرة من الجليد في القطب الجنوبي باطراد شامل، والأنهار الجليدية تتقلص في جميع أنحاء العالم. وكان معدل ارتفاع مستوى سطح البحر منذ منتصف القرن الـ19 أعلى منه منذ آلاف السنين الماضية. وأعرب الفريق في تقريره عن ثقة عالية في النتائج لأن النماذج المناخية التي تساعد العلماء في المراقبة قد أدت إلى تحسن مراقبة أنماط درجة حرارة سطح الأرض في السنوات الست الماضية، والتقييم الحالي هو الخامس للفريق الحكومي الدولي منذ 1990. ووضع التقرير علماء المناخ موضع تساؤل وذلك للتباطؤ في معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري الآخذة في التزايد، التي تعمل على تفاقم مشاكل العالم. كما حذر من التباطؤ والمكوث فترة أطول دون اتخاذ أي مبادرات لأن ذلك سيؤدي إلى كوارث بشرية خلال الـ20 سنة القادمة، ومن ناحية أخرى أوضح التقرير: "أن العقود الثلاثة الماضية أشد حرارة من الـ150 سنة الماضية"، وعرض 4 سيناريوهات تقوم على ضوابط مختلفة لانبعاثات الغازات الدفيئة، ويتوقع التقرير ارتفاعا في درجات الحرارة يتراوح من درجة أقل من واحد إلى ما يقرب من تسع درجات. وهو أقل السيناريوهات لما يمكن أن يحدث فقط مع تخفيضات حادة في انبعاثات الكربون بين الدول المتقدمة، وخاصة الصين والولايات المتحدة، الملوثين الرائدين في العالم.

وخلاصة القول إن العالم غير جاد في حل مشكلة الاحتباس الحراري، لأن الحلول لها تبعات اقتصادية سلبية، وبهذا تؤثر الدول الكبرى أن يموت عشرات الملايين في الدول النامية على أن يتأثر اقتصادها.