خلال عملي الإعلامي: إذاعيا وصحفيا مدة زادت على عشرين عاماً، يبقى حدث مهم لا يمكن نسيانه؛ لارتباطه بأحداث سياسية مؤثرة، وهو غزو الكويت وتحريرها.
كان ذلك عام 1411هـ/1991م، وكنت وقتها أعمل مذيعاً بإذاعة الرياض، ولم يمض على خدمتي إلا خمس سنوات فقط، ومع ذلك فوجئت بمكالمة ليلية من رئيس قسم المذيعين آنذاك الزميل سليمان العيدي يطلب مني أن أستعد غدا الفجر لرحلة مثيرة غير عادية، وهي السفر بطائرة عسكرية من قاعدة الرياض الجوية مع وفد إعلامي كبير من مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية إلى الكويت التي أعلن تحريرها قبل يومين فقط!
كنت شاباً في مقتبل العمر، وتنقصني الخبرة؛ ولذلك لم أستعد للرحلة كما يجب، ولم أسأل أين سنسكن، وكيف سنأكل؟ وتركت الأمر للمسؤولين عنا، وغاب عن ذهني أننا سنذهب إلى بلد مدمّر خرج للتو من احتلال بغيض لن يتاح لنا فيه استقبال رسمي ولا سكن، ولا طعام ولا شراب!
أقلعت بنا الطائرة فجرا، ولم أذق طعاماً، ولاحظت أن الإعلاميين، وخاصة الغربيين من أصحاب الخبرة والممارسة الطويلة يحملون حقائب فيها طعام وشراب، حينها أوجست خيفة، أدركت أننا ذاهبون إلى مكان لن نجد فيه ما يؤكل أو يشرب إلا بصعوبة.
وصلنا إلى الكويت، واستقبلنا أهلها فرحين بالتحرير يُطلقون من بنادقهم رصاصاً في الهواء لا تسعهم الفرحة بتحرير بلادهم بعد احتلال زاد عن نصف سنة.
ولكن العراقيين قبل الانسحاب كانوا قد وضعوا ألغاماً في كل مكان؛ ولذلك كان المشرفون على الحملة وسائق الحافلة يحذروننا من الابتعاد عند النزول للراحة أو الذهاب لقضاء الحاجة.
إذاً ثمة قلق، وضغط نفسي، لكن الفرحة بتحرير الكويت أنستنا المعاناة والإرهاق والتعب، فلا سكن يحتوينا، ولا طعام ولا شراب، وبدأتُ المهمة التي أسندت إليّ من قبل الإذاعة، وهي تسجيل أكبر قدر ممكن من اللقاءات مع الكويتيين والمقيمين في الكويت؛ لرصد فرحتهم الكبيرة وتدوين مشاعرهم تجاه المملكة العربية السعودية ووقفتها الشجاعة في التحرير.
وأتذكر أنني بدأت التسجيل بعد الظهر، ولكن الجو كان مظلماً وكأننا بعد المغرب؛ نظرا لحرائق النفط التي أشعلها صدام حسين قبيل الانسحاب، وكنت لا أرى ساعتي اليدوية إلا بالقرب من نور سيارة لشدة الظلام في وسط النهار!
وتعرفنا على بعض جنودنا البواسل من الحرس الوطني، وأسعفونا بتميرات تسد الرمق وتدفع الجوع الشديد.
وغادرنا الكويت المحرّرة في حدود الساعة العاشرة مساء، ووصلنا منتصف الليل إلى الرياض الحبيبة.
وبعد أخذ قسط من الراحة، انطلقت إلى استديوهات الإذاعة للإشراف على (مونتاج) اللقاءات التي سجلت في الكويت؛ تمهيداً لإذاعتها.
ومع قلة خبرتي، فقد أيقنت أنه يجب أن أحتفظ بنسخة من هذه اللقاءات، وبالفعل طلبت من فني الصوت وقت ذاك أن ينسخها على شريط (كاسيت)، وأودعته مكتبتي، وما يزال عندي إلى اليوم بوصفه وثيقة أعتز بها ولا يمكن التفريط فيها.
وقد رافقني في هذه الرحلة فني الصوت ناصر بن سليمان الطحيني رحمه الله، وهو من هواة التصوير، فالتقط لي صورة أثناء تسجيل لقاء مع أسرة كويتية، ويسرني أن أرفقها مع هذا المقال؛ لعل المساحة تسمح بنشرها.
وصحيفة "الوطن" العزيزة إذ تطلب مشاركة رمضانية في أي موضوع، رأيت أن أقص أحداث هذه الرحلة الإعلامية القصيرة في زمنها، الكبيرة في أثرها وأحداثها المتلاحقة والمثيرة؛ لذا بقيت راسخة في الذاكرة مع مرور ربع قرن عليها.