لم أقلق ولو للحظة على اليمن واليمنيين من الأحداث الأخيرة، والتي عصفت بكل أرجاء اليمن طولاً وعرضاً، وأثارت رعب كل من لم يحاول رؤية المشهد من زوايا تختلف عن زوايا التهديد الأمني والديموجرافي والديني. وغردت من على حسابي في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" (اليمن بخير، لا تقلقوا سوى على من ضاع عقله واحترب أهله)، ملمحاً إلى الحسابات الأخرى من اللعبة السياسية الكبيرة، إذ كان للحياد السعودي إزاء التحركات الحوثية في اليمن أوضح الإشارات إلى أن الحسابات الإقليمية والدولية باتت مختلفة تماماً، وأن استراتيجية أخرى غيرت الموقف؛ لأن السياسة لا تعترف بأنصاف الحلول وانتظار ما سيكون.

وقد كانت أولى الإنذارات القوية التي غيرت الحسابات السعودية – من وجهة نظري – هي حرية تحركات القاعدة في العمق اليمني، وتمكنها من اختراق كل الحواجز لتصل إلى "مدينة شرورة" السعودية، وتنفذ عمليتها الإرهابية قبل أشهر قليلة، وهي التي دقت ناقوس الخطر وأكدت ضرورة تغيير القناعات والمواقف السياسية بما يقتضي الحال.

من هنا يمكن رؤية الموقف السياسي السعودي الأخير، الذي نجح إلى حد بعيد في قراءة الوضع السياسي للمنطقة ومستقبله، وتحديد أولويات لا فكاك من الإسراع في تبنيها، في ظل وصول (الإخوان) ممثلا بحزب الإصلاح، إلى نقطة السيطرة شبه الكاملة على مفاصل الدولة في اليمن، وهو في رأيي أحد أهم الدوافع التي جعلت المملكة تصنفه بمستوى الخطر الأول والأكبر على أمنها القومي في الوقت الراهن والمستقبل القريب، خاصة إذا ما علمنا أن تنظيم القاعدة يعده كثيرون الذراع العسكري المسلح للإخوان بشكل أو بآخر، وجاءت سيطرتهم تلك عبر عقدين من العمل الدؤوب في الحياة السياسية اليمنية، مستغلين دغدغة مصطلح التسمية (الإصلاح) للشارع اليمني البسيط، لينجح الحزب في تمرير مشروعه الكبير محلياًّ، محتلاً على إثر ذلك موقعاً مؤثراً في سياسة الدولة، وهو ما أثبتته ردة فعل حزب الإصلاح على خلفية المتغيرات التي مر بها اليمن في السنوات الأخيرة، ابتداءً من عام 2011، وموقفهم المتنكر علانيةً لحليفهم السياسي الأول في البلاد منذُ اليوم الأول لنشأة حزبهم (حزب المؤتمر الشعبي العام)، متوقعين هروب رئيسه "علي عبدالله صالح" إلى خارج اليمن، ليخلوا لهم الملعب في الداخل بالكامل، إلا أن ما فاجأهم كان في صموده وتحوله إلى لاعب من نوع آخر على الملعب نفسه، له تحركاته وحساباته الجديدة التي نجح بإتقان في ترجمتها إلى انتصار تاريخي على خصومه الجدد، من خلال استغلاله للتوجهات الإقليمية والخليجية والعالمية المناهضة لفكر "الإخوان المسلمين"، ومن المصلحة إسقاط أو تحجيم وإضعاف النفوذ (الإخواني) في الجارة اليمن إلى أقصى ما يمكن، تحاشياً لأي صعود مفاجئ له قد يشكل خطراً محدقاً في أي وقت، وقد كان الحوثيون البديل المتوفر المؤهل للعب الدور، شريطة ألا يترتب على ذلك تحويل اليمن إلى معسكر إيراني صرف، فذلك من شأنه الإخلال بالتوازنات السياسية المطلوبة.

ومن الواضح أن اكتفاء الحوثيين بالسيطرة على صنعاء، والاستيلاء على المؤسسات الحكومية الفاعلة دون إسقاط رئيس الدولة، يعود لتفاهم أطراف إقليمية ودولية.

قد يتحول يوم (21 سبتمبر 2014)، إلى تاريخ ولادة يمن جديد بكل المقاييس، والباب مُشرع لذلك على خلفية مضمون البيانات والوعود التي أطلقها زعيم الحوثيين "عبدالملك الحوثي"، الداعية إلى محاربة الفساد وبناء نموذج الدولة الحديثة، على مبادئ العدل والمساواة والنزاهة، وهي شعارات عريضة جداً، رفعها كثير من السياسيين من قبله، وعليه الاعتراف بصعوبة تنفيذها بوجود الدولة العميقة في اليمن، وسيتحتم عليه لاحقا مواجهة الشعب اليمني في حال فشل في تحقيق بعض ما وعد به على الأقل، فتنظيما "القاعدة وأنصار الشريعة"، لن يدعا له الملعب خالياً على أية حال، وها قد بدأ الاختبار وبدأت التحديات على ما يبدو.