الحج عبارة عن مجموعة من المناسك والشعائر، وجملة من الأفعال والأقوال تنتظم جميعاً في أطر زمنية ومكانية محددة، لتجسد بمجموعها معناً تعبدياً، ومعنى الشعائر في اللغة: مظاهر العبادة وتقاليدها وممارستها، وهي الأعمال التي كتبها الله - عزّ وجل - على الناس في الحج، وقد وردت عبارة شعائر الله في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الحج (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
ويقول العلماء ورجال الدين المسلمون عن المعنى التعبدي لشعائر الحج بأنها لا تخلو من حكمة، قد تكون في بعض الشعائر ظاهرة، وقد تكون في بعضها خفية، وعدم المعرفة بالحكمة لا ينفي وجودها، وهناك حكمة عامة وهي اختبار العبد في طاعته واستجابته وإذعانه لأوامر الله - عزّ وجل - ونواهيه.
وقد حاول بعض العلماء المسلمين تحديد الحكمة والمعنى التعبدي لشعائر الحج، فعلى سبيل المثال يقولون عن لبس الإحرام هو "لفت نظر المحرم ليتذكر يوم وفاته، حيث يُجرد من ملابسه العادية ويلف بقطع الكفن الثلاث المعهودة"..، و"كي يتذكر الناس جميعًا العري التام يوم القيامة، وهي الصورة التي نكون عليها يوم الحساب، والوقوف بعرفة دلالة على تجسيد الوحدة بين كافة المسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، والسعي بين الصفا والمروة شرّع لترسيخ عقيدة التوكل على الله.
وعن الطواف حول الكعبة المشرفة، يقول أحد الدعاة عن الحكمة من ذلك ما نصه "هذا الطواف يتم في عكس عقارب الساعة، وهو نفس اتجاه الدوران الذي تتم به حركة الكون من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته، فالإلكترون يدور حول نفسه، ثم يدور حول نواة الذرة في نفس اتجاه الطواف عكس عقارب الساعة، والذرات في داخل السوائل المختلفة تتحرك حركة موجبة".
وبالنسبة لرمي الجمرات، فيقولون بأن فيها يتذكر الحجاج ظهور الشيطان لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في ثلاثة مواضع، وبخصوص النحر والذبح ففيها عبرة للحجاج تتمثل في أن يفضلوا مراد الله ومحبوباته على مراد أنفسهم ومحبوباتها الغالية كما جاء في قصة النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام وابنه إسماعيل.
ومما سبق، يلاحظ بأن اجتهادات العلماء حول الحكمة من شعائر الحج، ليست عقلانية للأسف، وهي في الحقيقة محاولة للرد على من يقول بأن شعائر وطقوس الحج مأخوذة من العادات الجاهلية الوثنية القديمة، لذا كان هذا الاجتهاد بعيدا عن المنهجية العقلانية العملية، وإنما كان مجرّد ردة فعل غاضبة، والدليل على ذلك أن العلماء الأولين لا يتطرقون إلى تفسير الغايات من العبادات ويؤكدون على أنه لا توجد عقلانية فيها!.
والمقصود بالعقلانية العملية هنا: تناسب المنهج أو الوسيلة مع الهدف، بمعنى أن تكون الشعائر وسيلة معقولة لتحصيل غاية معينة، فشعائر الحج لا بد من خلال أدائها أن تؤدي إلى غاية معينة ومحددة، والمنهج العام عند العلماء بأن الحكمة من مشروعية العبادات علمها عند الله فهي من المسائل الغيبية، وعلى المسلم أن يؤدي هذه العبادات امتثالاً لأمر الله وحسب حتى ينجو من عذاب النار.
والحكمة العامة عند العلماء، أن الهدف من العبادات تتمثل في تقوى الله، ومعنى التقوى هنا أن يجعل المسلم بينه وبين عذاب الله وقاية، وعلى هذا الأساس فإن الحكمة من الحج هي تقوى الله، والتي تتحقق عن طريق أداء الشعائر التي أمر الله بها.
ووفقاً للمفهوم السابق للتقوى، فإن المسلم دائم الخوف من عذاب النار بسبب معاصيه وذنوبه، وزوال هذه المعاصي يكون بأداء فريضة الحج!، مما قد يترتب على ذلك أن يشعر الحاج بعد أداء الفريضة بحالة من الرضا والغرور ويتصور أنه من أهل النجاة والجنة، ولذا يرى نفسه أفضل من الآخرين ناهيك عن زيادة الأنانية، كما أن هذا المفهوم يؤدي إلى امتصاص الخير من النفس، وبالتالي سوء الأخلاق لأن الاهتمام سوف ينصب على أداء الشعيرة كتكليف على حساب القيم والأخلاق والإنسانية، ناهيك عن ثقل هذه الشعائر في النفس والكسل في أدائها.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن العلماء المختصين في شؤون التربية يقولون: إن "التخويف قد يأتي بنتائج عكسية، فقد يمتنع الإنسان من ارتكاب الممنوع خوفاً من العقوبة، إلا أن ذلك لا يعني زوال الرغبة والميل إلى الفعل، بل ربما تتأكد وتقوى فيه تلك الرغبة في الحرام".
لذا فإن الحاج يكتفي بالصور الشكلية لشعائر الحج، ولا يهتم باكتساب الفضائل الأخلاقية بحقائقها، وبالتالي لا نجد أثراً للشعائر على سلوك وأخلاق المسلم، فعلى سبيل المثال يقول العلماء كما ذكر آنفاً بأن الحج دلالة على تجسيد الوحدة بين كافة المسلمين، فأين ثمرة وأثر ذلك على أرض الواقع؟، لماذا نرى الطائفية والعداء الشديد بين السنة والشيعة مع أن الملايين منهم يذهبون إلى الحج في كل عام؟ تجتمع أبدانهم وأجسادهم في مكان واحد ولكن قلوبهم شتى يملؤها البغض والكراهية! ولماذا أيضاً نرى الطبقية والتعصب القبلي بين أفراد المجتمع؟.
للأسف، فقد تم تفريغ شعائر الحج من البعد الأخلاقي والإنساني، فمقاصد العبادات تتلخص في تربية الناس على الأخلاق الفاضلة وتعليمهم المبادئ والقيم الإنسانية وهنا تكمن تقوى الله - عزّ وجل -.
إن الإحرام والميقات، والنية والتلبية، والطواف، والسعي، والتقصير، والوقوف بعرفات وأداء المناسك في منى ثم المبيت فيها، ثم الطواف.. كل هذه وسائل، والهدف الأساس منها هو تحقيق التقوى، والتقوى يقصد بها تحقيق الأخلاق والقيم والسمو بالنفس الإنسانية، ومن دون معرفة ذلك تبقى الحكمة من فريضة الحج غامضة لدى مؤديها، وقد يعتقد المسلم بأنه أدى واجبه ولكن النفس ما زالت عطشانة.. فمتى يتم عقلنة شعائر الحج يا علماء المسلمين؟