رحم الله تلك الأيام الخوالي قبل عقود بصعيد مصر، حينما كنت طفلا تجمعني الأعياد بأبناء 14 خالا وخالة، من ثلاث زوجات لجدي الصارم، الذي تفرغ لأعماله بالزراعة والتجارة، تاركا مهمة إدارة هذه "الأحزاب الثلاثة" لوالدته التي يعلم الله وحده عمرها، ورغم ذلك كانت تتمتع بحيوية مدهشة، وذهن يقظ، وحكمة تُمسك بالخيط الرفيع الفاصل بين اللين والشدّة، ناهيك عن حنكتها بألاعيب النساء و"كيدهن العظيم"، فأبرمت اتفاقا ضمنيا أعفت بموجبه جدي (ابنها) من أعباء حل مشكلات زوجاته وأبنائهن، ليهتم بأعماله المتشعبة، لتدير بنفسها الزوجات الثلاث وأبناءهن وبناتهن الصبايا اللاتي لم تتزوجن بعد، وكانوا يعيشون بمنزل يشبه فندقا كبيرا.
وحدنا الأحفاد تمتعنا بتدليلها المحسوب بعناية، ونصائحها التي طالما بدت لنا مُملة، لكنني ما حييت لن أنسى درسا تلقيته حينما كنت صبيا أناقش أبناء وبنات الخؤولة بقضايا عويصة، مدفوعين بنزق المراهقة ومثالياتها، وتطرقنا للجدل بشأن الفقر وتبارينا بآراء تعتبره خللا بموازين العدالة الاجتماعية، وبالطبع ليس عارا، وفجأة تدخلت الجدّة بالحوار لتسألنا باستنكار عما إذا كنا نتعلم هذه "الأفكار البلهاء" برأيها في المدارس.
ألجمتنا صدمة اقتحامها مناقشاتنا وكنا نظنها لا تسمع ولا ترى ولا تُقدر "عبقريتنا الفذّة" فاستنكرت آراءها ووصفتها بالعنصرية، خاصة أنها كانت تتبنى آراء سلبية بشأن النساء، وتعتبرهن سببا لكافة الكوارث الكونية، وها هي تنعت الفقر بأنه "عار وشنار، وتحفزنا لمهاجمتها، لكنها احتوتنا لتهدئتنا قائلة: سأطرح أسئلة بسيطة، وأريد إجابات مُحددة.
كان "عاشور" خادما بمنزل جدي وعاش حياته أعزب، وسمعنا أنه لأسباب عضوية ليس مؤهلا للزواج، لهذا كانت خالاتي وبناتهن يتصرفن دون اعتباره رجلا أجنبيا، ورغم ذلك كان دائم الابتسامة ينقل أخبار الجيران ليشبع فضول الخالات، ويشتري حاجاتهن النسائية دونما حرج، ويحتمل توبيخ جدي بلا تذمر لينام آخر الليل خلف البوابة الكبيرة للبيت، بعدما يخلد الجميع للنوم، وعاش ومات كأنه أحد أفراد عائلة جدي الكبيرة.
سألتني الجدّة: كيف سيتصرف "الجزار" أو "الفكهاني" أو "البقال" حين يقف عاشور أمامه، ولم تنتظر إجابتي وقالت: سينهره ويطرده، بينما حين يفعلها جدك سيستقبله البائع بحفاوة، لأنه يعلم أنه سيشتري خلافا للخادم المتطفل، ولما وصفت ذلك بأنه تصرف قبيح ظالم، ردّت بحسم: لكنه واقع، فهكذا كانت وستظل الحياة، فلا أحد "يدادي" الفقير بمعنى "يدلله".
فتشت الجدّة في كيسها طويلا ومنحتني جنيها، وما أدراك ما قيمة الجنيه حينئذ خاصة من سيدة كجدتي، وسألتني: حينما تتزوج إحدى خالاتك ألا تشاهد سيارات محملة بهدايا تتنوع بين أجولة الأرز والسكر والطحين والخراف حتى الذهب، تأتي من عشرات الأسر التي تربطنا بها قرابة أو مصالح أو مجرد صداقة، ولم تنتظر إجابتي لكنها باغتتني بسؤال: هل تلقى "عاشور" هدية يوما؟
ابتسمت العجوز وتطوعت بالجواب لتنفي حدوث ذلك، وبررت الأمر بأن الخادم ليس لديه ما يقدمه حتى يتودد له الناس، فضلا عن عجزه عن رد الهدايا التي لا تأتيه أساسا، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن الفقير "لا يتهادى" أي لا يتلقى الهدايا.
أدركت العجوز صدمتنا، فبادرت لرشوتنا بجنيهات إضافية لنستمع لبقية حديثها المُوجع، وواصلت أسئلتها بهدوء قائلة: حينما يُدعى جدكم للمشاركة حكما أو شاهدا بالمجالس العرفية وما أكثرها بالصعيد، لمحاصرة الخلافات القبلية، هل يجرؤ أحد على تكذيب شهادته أو تسفيه رأيه؟
استسلمنا للصمت عاجزين، فقد كنا صبية ومراهقين نجهل قواعد وأعراف "مجالس الرجال" لتبادر الجدة بنبرة حازمة: لا يجرؤ مخلوق على تكذيب جدكم، لأن ذلك بحد ذاته "جريمة عرفية" تقتضي "حق عرب" سيكلف من يتجرأ على التشكيك في شهادة جدكم، ناهيك عن تداعيات ذلك، خاصة أن أخوالي التسعة وأبناء عمومتهم وجميع رجال العائلة سينسون حينها كونهم ضباطا أو قضاة أو أطباء وخلافه، ليعودوا إلى جذورهم، كصعايدة تعرض والدهم للإهانة، والجميع يُدركون ذلك ويحسبون له ألف حساب وحساب.
مضت بمقارناتها كصدمات كهربائية تقشعر لها قلوبنا الغضّة، وتساءلت: ماذا لو طُلبت شهادة الخادم؟ أليس واردا أن يُتهم بأنه ربما كان مأجورا ليشهد لصالح طرف حتى لو كان صادقا فإن فقره سيمنح البعض فرصة التشكيك في أقواله فليس مستبعدا شراء ذمته، ولو أقسم بأغلظ الأيمان لأن "الفلوس تشتري النفوس"، لتخلص لنتيجة تقولها بلهجتها الصعيدية: "ولا تقوم له في الشرع شهادة".
بعدما استفاضت بشرح "وصمة الفقر" بسملت وحوقلت وخلصت لمثل شعبي يقول: "الفقير لا يتدادى، ولا يتهادى، ولا تقوم له في الشرع شهادة" ورددته مرات، وأعقبته بدعواتها أن يكفينا الله شر الفقر لأنه بتقديرها "مذلة وعار" وحينما رددت كالببغاء عبارة شائعة: بأن "الناس متساوون كأسنان المشط" ابتسمت الجدّة الحكيمة وردت ساخرة: ومن قال إن أسنان المشط متساوية؟
كم كانت قاسية حكمتك جدتي، لكن تجارب الحياة المريرة، علمتنا ألا نستخف بثقافة الشعوب، حتى لو كانت تُجافي القيم الإنسانية أحيانا.