هَنيئاً لكَ العيدُ الذي أنتَ عيدُهُ

وَعِيدٌ لمَنْ سَمّى وَضَحّى وَعَيّدَا

فَذا اليَوْمُ في الأيّامِ مثلُكَ في الوَرَى

كمَا كنتَ فيهِمْ أوْحداً كانَ أوْحَدَا

هوَ الجَدّ حتى تَفْضُلُ العَينُ أُختَهَا

وَحتى يكونُ اليَوْمُ لليَوْمِ سَيّدَا

أبو الطيب المتنبي

مع صباح هذا اليوم الجميل تحية وتهنئة بالعيد لكل مسلم ومسلمة وبالأخص خادم الحرمين وولي عهده وجموع الحجاج ومن يقوم على خدمتهم، والصابرين في مناطق الصراعات، أعاد الله العيد على الجميع والكل بخير حال.

وتهنئة أكثر خصوصية لأصدقاء الحرف الذين تزداد مع السنوات صداقتهم ومحبتهم؛ ولم تجمعنا مائدة أكبر من مائدته التي تلذ بالكلمات الثمينة والأفكار الراقية والمشاعر الجميلة، فمن القلب شكر على الأوقات التي تبذلونها لإسعادنا بعصارة قلوبكم وعقولكم.

من تعظيم شعائر الله ومن تقوى القلوب إظهار الفرح في هذا اليوم، مع أن بعض الناس -وربما الشعراء- يختارون المناسبات الفرحة لتذكر الأشجان وكأنهم يحرمون كل مساحات الفرح، وربما كان ذلك لأن الأعياد عندهم تذكرهم بما فقدوا ولا تشعرهم بما بين أيديهم! ولهم قال إيليا أبوماضي في قصيدة عن العيد:

"هذا النعيم الذي قد كنت تنشده/ لا تله عنه بشيء غير موجود"..

دلفت لمقالي بأبيات من تهنئة المتنبي لسيف الدولة بالعيد يتجاهلها كتاب يميلون لأبياته وهو عند كافور، وربما لأن الشجن والحنين لسيف الدولة أقوى من تهنئته!

يبقى العيد مساحات للفرح والتواصل والعطاء بين الأحباب، يكفي أنه يعيد من تجاوز الشباب والطفولة لذكرياته الأجمل؛ وتشرق شمس الحنين على أرض الجمال يوما يعيد الماضي الذهبي الذي وارته الليالي!

ويمتاز عيد الأضحى المبارك بارتباطه بفريضة الحج، فتبقى قلوبنا معلقة بكل خطوات الحجاج حتى يودعوا المشاعر سالمين غانمين. كما يختص هذا العيد بذبح الأضاحي؛ ومع إراقة هذه الدماء طاعة لله نتذكر وندعو لكل من فقدناه في العيد ولو مرّ على فقده من الزمان عقودا، فتمتزج لذة الحب بفرح الطاعة وحنين المحب وتشكل نقطة من مدار حياتنا نمر ببهائها كل عام!

في طفولتنا كان عيد الفطر موسما للثراء فيه نجمع العطايا ونتباهى بكثرتها وقد نرفضها إن قلَّت عن طموحنا! أما عيد الأضحى فكان موسما نعرف فيه سنن الذبح وتقسيم الأضحية وأسماء الأجداد والجدات وحكاياتهم خاصة من مات وأوصى من ميراثه بأضحية.

في كل عيد أضحى أتذكر والدي -رحمه الله- وكل ما كان يعلمه لنا ويحكيه عن هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا اليوم. تغيرت ملامح الدنيا ولم يتغير لعيد الأضحى ملمح ولا جمال في العقل ولا في الروح، فحين أفكر بالعيد أنشغل باختيار الذكريات التي أتركها لأبنائي في مثل هذا اليوم ليسعدوا كما ترك لنا أحبابنا سيلا من المعاني الإسلامية العظيمة المرتبطة بالعيد.

يرقب الفقير في العيد جود أصحاب الجود ولو من ثلث الأضحية، كما أن من لم يضح يتذكر أن النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ضحى عنه، فيأنس بأنه لم يحرم من الأجر، فما أعظم إنسانية هذا الدين الذي لا ينسى المحتاج كل عيد!

الفرق بين عيدنا اليوم والأمس أن كل بيت تقريبا كان يعيش هذه الأحاسيس، بينما اليوم اختلفت حياتنا وتفاوتت خبراتنا حتى حرم من حرم من شبابنا وأطفالنا هذا التفاعل وهذا الإحساس الجميل، بل وربما ضاق بعض الصغار بهذا اليوم أو تهرب منه لأنه لم يدرك تلك اللذة التي أدركنا!

ومن جهة أخرى، ومع جمالية المناسبة وعظمتها ومع ما يقدم بشكل رسمي للاحتفال بالعيدين يميل كثير من الناس فيها للسفر إلى خارج الوطن، وحين نبحث عن الأسباب نجد أن الفعاليات التي تقدم في العيد ليست كافية نسبة لعدد السكان، وأتحدث عن المدن الكبرى التي تكتظ بسكانها وبالقادمين في العيد من خارجها. فلو تأملنا ما يقدم نجد أن الفائدة فيه محصورة بجزء من سكان المدن ولم يعد العيد يشمل بمظاهره كل المدينة إلا في أماكن قليلة لا تزال محتفظة بمظاهر الفرح الشامل بالعيد.

ماذا أتمنى للعيد القادم؟! أتمنى أن تقوم البلديات بتفعيل مراكز للأحياء تتنافس فيما بينها لتحول كل حي لمكان للاحتفال بالعيد يتم التعارف بين أهل الحي والتواصل لهذه المناسبة وليقم عمدة الحي ومركز الهيئة والشرطة بهذه المهمة فيتم تحويل حديقة الحي أو السوق الكبير فيه لو كان مناسبا لساحة لمتابعة الفعاليات المقدمة في مراكز المدن، فلا يعقل أن يتجه أهل مدينة كالرياض لخمسة أو ستة أو حتى عشرة مواقع، وما يحدث من زحام واختناقات مرورية في الأعياد دليل على ذلك.

قريبا من هذه الأمنية أتمنى أن أستشعر معنى فرحة العيد في عيون الصغار، وأن تعود بيوتنا مفتوحة، وقبلها قلوبنا، لاستقبال الصغار بضحكاتهم الباذخة.. فهم ذاكرة العيد الأصدق بملابسهم الزاهية وملامحهم البهية!

كل عام وأنتم أجمل.