لا يكلّ المثقف ولا يملّ عن الحديث حول الديموقراطية التي تُعد "الانتخابات" عمودها الفقري وركيزتها الأساسية، وديموقراطية الثقافة أمر مهم للغاية؛ حيث إن المؤسسات الثقافية ذات حساسية كبيرة، ومن ذلك اكتسبت الانتخابات فيها حساسيتها، حيث يجب ألاّ تخضع هذه المؤسسات لأي شكل من أشكال "الأيديولوجيا" التي تنمي التطرّف وتغذيه؛ لأن مسألة إنتاج الثقافة ونشرها لا يقوم على التطرف بأي شكل كان.
وللحديث حول هذه القضية يجب الإشارة إلى أن الأندية الأدبية في المملكة من أهم المؤسسات الثقافية التي خاضت تجربة الانتخابات، ويمكنني القول إنها نالت نصيباً وافراً من "الرسوب"، كون الانتخابات تمت بطريقة إلكترونية وهذا على عكس السائد من جهة، ومن جهة أخرى أتاحت اللائحة لكل من هب ودب دخول الجمعية العمومية، ممن لا علاقة لهم بالثقافة ولا بالأدب، وهذه حادثة جسيمة حدثت بحق الثقافة المحلية أفضت إلى ضعف في الإنتاج والاستراتيجيات، وبدت هذه المؤسسات أشبه بالجمعيات الخيرية: وفرة في المدخول وفقر في المُخرج!
ومن هنا جاء اهتمام وزارة الثقافة والإعلام بسنّ لائحة انتخابية جديدة للأندية الأدبية، ونتمنى أن ترى النور قريبا، وأن نشهد العمل الثقافي الحقيقي في مؤسسات الثقافة، سواء في الأندية الأدبية أو المراكز الثقافية التي تعتزم وزارة الثقافة تطبيقها مستقبلاً.
ومعروف أن الخبرة في الانتخابات لا تتشكل إلا بصقل التجربة وتكرارها، والاستفادة من السلبيات والإيجابيات؛ ولذلك يجب ألا تكون انتخابات الأندية الأدبية أو المراكز الثقافية من النوع الصالح للاستخدام لمرة واحدة فقط!
حيث إن تخوف بعض المثقفين من اللائحة القديمة حينها كان بسبب خشية من هشاشة اللائحة وعدم صرامتها نوعيا بخصوص أهمية الإنتاج الثقافي والأدبي للمرشح، لذلك لم تؤسس مواد اللائحة القديمة لمرحلة ثقافية تستوعب الجانب الثقافي الحقيقي، وهذه فرصة ربما أن تدرس وزارة الثقافة والإعلام اللائحة الجديدة وتعرضها للفحص والتمحيص وتطلب من المثقفين أن يدلوا بآرائهم حولها قبل اعتمادها بشكل نهائي.
وهنا من المهم أن تستفيد الساحة الثقافية في الانتخابات المزمع إجراؤها من الأخطاء السابقة، كتلك التي حدثت في أروقة الأندية الأدبية التي تستعد قريباً لدورة انتخابية جديدة، وهذا ما يحتّم على المثقف عدم التكاسل عن خوض غمار هذه التجربة، شرط أن تكون ضمن معايير تتيح وجود مثقف حقيقي، وتتيح له العمل في الجانب الثقافي بشكل يسمح بنشر وإنتاج الثقافة وتطورها.
لا ننتظر من اللائحة الجديدة أن تقدم حلاً سحرياًّ، ولكن على الأقل يجب أن تصلح ما أفسدته اللائحة السابقة، وما جلبته أيضاً، حيث إن معظم الأندية الأدبية اليوم أشبه بالنائمة، وهنا يفترض أن تقيّم تجربتها الانتخابية السابقة، على أن يعاد النظر فيها كي تخدم المرحلة القادمة.
فالمرحلة السابقة التي كان يعوّل عليها كانت مرحلة فراغ، حيث وجدنا بعض الأندية قد طمست المرحلة التي قبلها، وقطعت عرى العمل الثقافي الذي تم التأسيس له سابقاً، نتيجة اختلافات الرؤى، حيث إن هنالك من نظر إلى الجزء الفارغ من الكأس، على الرغم من أن العمل الثقافي هو عمل بنائي وتراكمي، وهذا ما لا نريده أن يتكرر مستقبلاً، فيجب ألاّ تموت المشروعات الثقافية نتيجة نظرة غير سديدة تستبدلها بعمل ثقافي هامشي، أو بعمل غير ثقافي إطلاقا!
المأمول هو أن يعمل أعضاء المؤسسة لا بناء على رغباتهم وتوجهاتهم، بل بناء على رؤى استراتيجية توضع بدقة تمليها معطيات الحاضر وضرورات المستقبل، خاصة أن العمل في الحقل الثقافي يعلي كثيرا من قيمة "الاختلاف"، ولا يعارض حرية الكلمة ولا يعمل على تقليص سقف الحرية التي أتيحت منذ ما يقارب العشر سنوات على الأقل بطغيان الهامش على المتن!