لم أكن أعرف هذا الرجل "علي مغاوي"، لولا أنني تعرفت من قبله على عظماء أحلام يملؤون أماكنهم ومجتمعاتهم، واضعين بصماتهم في كل زاوية من زوايا الجبال والسهول والوديان المحيطة بهم، وتبدو على سحناتهم أصالة تاريخ الصخور التي بنيت منها الدور الشاهقة، وعلو جبال "رجال ألمع" المهيبة، وما بينها من عمق لم يترك المارين من حكايات الحرب والحب، ولو لم تكن كذلك لما طاف على البلاد من رياحها المبشرون بالعلم والثقافة والمحبة، فيا لها من "ألمع" شاهقة، وكأن اسمها يأبى إلا أن يفرض على حامليه روحه، وإلا أن يكونوا لامعين كل على طريقته. وعلى الرغم من أنني لم أزر من قبل ألمع إلا منذ أيام، لكنني كنت في كل يوم أتعرف أكثر على شجرة من أشجارها، وورقة من ورقات تاريخ إنسانها ووديانها وأساطيرها وأبراج قبائلها، فعرفت أشياء عظيمة من ضمير ألمع قبل أن أزور أرضها، وقصص العشاق التي هزمت قصص العداوة والبغضاء، كقصة تلك التي لفت حبيبها في القلب والقصب من أسفل الوادي، لتصعد به إلى دارها، وليكتب التاريخ بعدهما قصصا من العشق بعهد "وزيت يابه.. قال: وزيتِ".. ورأس جبال بيت مشيخة "المتعالي" في الأعالي، وجبل قيس، وحديث وديان الشعاب بأقاصيص آل البناوي وطالع وقرية "الرُجال" بيت التراث والثقافة وأهلها، وكثير ممن نقشوا وينقشون على قمم الجبال أساطيرهم، آمنت أن "ألمع" قصة لن تنتهي..
وحين يخرج من بين ظهراني تلك الجبال الشاهقة، كبار في المحبة والأدب والثقافة، وكبار في العلم والمهابة تكون "ألمع" أمة لوحدها، فالأماكن تمنح دائماً أهلها طباعها وعاداتها، ولا ترضى بغير ذلك بديلاً، وقد منحت جبال "رجال ألمع" سحنتها لأهلها واحدا واحدا وإن طاروا بعيدا إلى أقاصي البلاد.
قبل أيام زرت "رجال ألمع" للمرة الأولى في حياتي، محبة وتقديراً لأصدقاء أحبهم وأجلهم، صنعت الأيام بيننا من المحبة والصداقة ما لم يصنعه مطرٌ على أرض، ولا أبالغ إن قلت في حديثي وأكثر، ذهبت مواسياً لأشد من أزر صديقي "علي مغاوي" المفجوع في ولده وامتداده "خالد"، وحفيدته "سلاف ابنة خالد"، ولم أر في الاتصال ما يشفع لي أمام ما يحمله من المحبة في قلبه، وقد كان كل شيء عندي مواتياً لأفعل، فقررت أن أحضر إليه دون أن يعلم بذلك، فوجدته يشد من أزري ويكرمني كعادته بدروس الأخلاق والمحبة، من بعيد كنت أراقب وجه صديقي الحبيب - وهو لا يعلم عن حضوري - قبل وأثناء وما بعد الدفن، وأقسم أنني أدركت وقوفي أمام كبير الوعاظ في الموت والمحبة والصمود، فاقتربت منه وقلت له:
"يا لجبروتك يا علي، كأنك جبل أشم"، ثم مضيت بعيدا كي لا أفقد صلابة التهامي وهدوءه أمام وقاره وجبروته الجبلي.
أراقبه وأتمتم، وها قد منحنا هذا "المغاوي" درسا عمليا في الصبر والقبول والتحمل لا سبيل إلى نسيانه، لأن أهم أجزاء ثقافة الإنسانية تطبيق مضمون الأخلاق والمعرفة وأبعادهما، وما يؤمن به الفرد غالباً تترجمه ساعة محنة، فيا أبا خالد قل: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ثم قل كما قال الجواهري:
"في ذمة الله ما ألقى وما أجدُ
أهذه صخرة أم هذه كبدُ؟!
قد يقتلُ الحزن مَن أحبابه بعدوا
عنه، فكيف بمن أحبابه فقدوا؟!
تجري على رسلها الدنيا ويتبعها
رأي بتعليل مجراها ومعتقدُ
أعيا الفلاسفة الأحرار جهلهم
ماذا يخبي لهم في دفتيه غدُ
طال التمحلُ واعتاصت حلولهم
ولا تزال على ما كانت العقدُ"
واستعن بالله يا صديق الأخلاق واللطف، وها من حولك أمة من الأصدقاء، لا يخونون ما منحتهم من عظيم ما يخفق به قلبك، كأنك لوحدك أمّة.