تعثر كثيراً الشاب الإماراتي محمد العزيز قبل أن يبني مدينة أحلامه. أنا هنا لا أستخدم مصطلح مدينة الأحلام مجازا بل كمدينة حقيقية بناها محمد العزيز، محققا من خلالها حلما طالما عمل الكثيرون من أجل تحقيقه. بدأ محمد حياته العملية في 1997 بمشروعين، الأول مطبعة، والثاني مطعم يقوم بتلبية احتياجات المدارس، ولظروف شخصية قاهرة اضطر محمد في 2002 للخروج من المشروعين ولم يتمكن من الاستمرار بهما، وتوجه لتجارة العقار التي مني فيها بخسائر مالية كبيرة في 2007، إثر تدني أسعار العقار غير المتوقع في إمارة أبو ظبي.
خلال كل تلك المراحل التي خرج محمد منها خاسرا كان يحلم بمدينة سياحية يصممها بنفسه، فكلما قصد دولة لغرض العمل أو السياحة يتعمد أن يزور معالمها ويلتقط صورا لها، حتى اكتملت مدينة أحلامه بمخيلته، وعكف على بحوث ودراسات وتصاميم ودراسات ولكن كلها على الورق، وتحويلها إلى واقع يتطلب الحصول على ممول مالي بميزانية كبيرة، وهو أمر يصعب حدوثه في ظل شح منافذ التمويل وطبيعة رأس المال الجبانة، ولكنه بفضل إصراره وبحثه بجدية عن ممول تمكن من الحصول على داعم كبير للمشروع.
يخبرني محمد عن قصة نجاحه فيقول: (كان من ضمن الناس الذين وضعتهم على قائمة الداعمين المحتملين للمشروع هو صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، حاكم إمارة رأس الخيمة، ولعرض المشروع عليه، قمت بتحديد موعد معه وذهبت إليه صباح السبت، وكان رجل الأمن في انتظاري، والذي لقيت منه كل الترحيب ومن فريق الحماية الذين وجدتهم أناسا طيبين ومخلصين، وبعد أن تشرفت بلقاء سموه، وكانت المقابلة الأولى لي معه، أحسست بالارتباك ورهبة الحاكم وعندما شعر بارتباكي دعاني للجلوس وتركني لساعة ونصف دون أن يسألني ماذا أريد، ولماذا طلبت تحديد موعد معه، وبعد أن لاحظ أن الارتباك زال عني سألني بلهجته: "تفضل أبوي شو عندك؟" بعد ذلك عرضت عليه الكراسة والألواح الفنية الخاصة بالمشروع وناقشني في التفاصيل، ولم أكن أتوقع الحصول على موافقته على تمويل المشروع، ولكني خرجت من عنده وأنا أكاد أطير فرحا لأنه لم يوافق فقط بل أبدى إعجابه وأمر بدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، وبعد أن ظهرت النتائج المشجعة أمر سموه بتخصص أرض مساحتها 4100 م على الكورنيش وتسليمها لي لأقوم بتنفيذ المشروع بميزانية مفتوحة، وأعطى أوامره لكل الجهات المختصة بمباشرة الإجراءات وتسهيلها، وبدأت من هناك بوادر ميلاد عهد جديد وتجربة جديدة في مجال السياحة الترفيهية بإمارة رأس الخيمة فكان مشروع "راك دريم تورز" الذي كان على الكراسة مجرد مدينة صغيرة ولكن لكبر مساحة الأرض المخصصة وكرم الميزانية قررت أن أعيد دراسة المشروع ليتلاءم مع مساحة الأرض فأضفت مباني وأقساما أخرى مختلفة، وقد كان هدفي الوحيد هو المحافظة على مبدأ الأصالة والحداثة، فقمت بعمل تصاميم جديدة إلى أن وفقني الله تعالى في الخروج بهذه المدينة من مجرد حلم في قلبي وفكرة في رأسي وأمنية في حياتي إلى واقع).
الأحلام مهما كانت كبيرة قد تتحقق بمجرد أن نبادر باغتنام فرصة سانحة.. فرصة ثمينة تجعل من أحلامنا واقعا تماما مثل ما فعل محمد بمجرد أن بادر وأصر على تنفيذ المشروع، ففتحت له أبواب لم يكن يتوقع يوما ما أن تفتح له، فميزانية مشروعه رغم ضخامتها ورغم عوائق التمويل إلا أنه لم ييأس ولم يستكن ولم يتعذر بأنه خسر كثيرا في مجال التجارة ولن يخوض المغامرة مرة أخرى؛ بل درس المشروع وحدد مواعيد مع ممولين محتملين وشرح لهم فكرة المشروع بإصرار وثقة حتى وجد من يموله ويشاركه مدينته التي حلم بها.
كم من الأفكار الرائعة التي ندسها خوفا عليها من السخرية، أو خشية خوض تجربة فاشلة، ماذا لو قررنا أن نحول أحلامنا وأفكارنا التي تحظى بقدر كبير من اهتمامنا إلى واقع، وبحثنا عن الطرق التي تحملنا إليها، وكلما تعثرنا بطريق سلكنا طريقا آخر بإصرار أكبر، وكلما وجدنا بابا مغلقا بحثنا عن باب آخر، وبعزيمة أكثر. أعتقد بأننا كنا سنعيش في عالم أجمل وننعم باختراعات أعظم، ولزاد رصيد التاريخ من العظماء الناجحين الذين يصرون على ألا يتركوا هذه الدنيا دون وضع البصمة الخاصة بهم، ليس من الجيد أن نأتي إلى الدنيا ونغادرها دون أن نترك فعلا يحمل أسمنا للأبد.
العبارة التي تقول: "من خلف ما مات" هي مقولة خاطئة تعني أن الخلود مرهون بمن رزق بذرية، وفي الحقيقة فإنه سيطويه النسيان مبكرا ولن تحمل ذاكرتنا للأبد إلا من ترك لنا في هذه الدنيا أثرا عظيما أو فعلاً خالدا. إن الأفكار والأحلام التي نخشى أن نفعلها أو نحققها رغم تفكيرنا المستمر بها هي من بوسعها أن تحمل أسماءنا للأبد إذا ما تشجعنا على تنفيذها وأصررنا على تحقيقها حتى نحولها من فكرة وحلم إلى واقع.