أرجو في مناسباتنا الدينية والوطنية أن تعمد وسائل الإعلام إلى تصعيد حراكها ولقاءاتها مع المنظومة الاجتماعية من المعمرين وكبار السن، كساردين لمفردات حياتهم المنصرمة والصعبة، وكرواة للوقائع عبر الدهور القاسية وما أغفله التاريخ من حكايات أوجاعهم ودفاتر أعمارهم، المليئة بالتجارب المنهكة والاستذكارات الغرائبية، وما شهدوه في مجاهيل الحياة من مرارات وأهوال وتحولات وتمثلات تشكل مضامين مذهلة حين نقرؤها بلغة الواقع المعاش وذاكرة العصر، ها هو الأديب والشاعر الكبير الشيخ "أحمد بن إبراهيم الغزاوي"، يكتب قبل 42 عاما مقالا في صحيفة البلاد تحت عنوان "كيف كان الحج قبل خمسين عاما" يقول:
"يركب الحاج من الميناء إلى المنازل على عربات (الكارو)، فإذا ألقى عصاه شرب من الماء المالح الأجاج، وقد امتزج بالعكر والقذر ورتع في الدود، وركد معه الطحلب، وكأنه ماء (الدغيبج)، والدغيبج ماء آسن راكد بين ينبع وأملج، وقد اضطررت مرة إلى احتسائه مع بعض الرفاق فكان عندنا مضرب المثل في النتانة والعفن، فهذه موارد الحاج ومناهله عبر الطريق التي يمر بها من كل الجهات، ولا يحصل عليه الحاج إلى بأثمان باهظة، أما أكله فهو مما دب ودرج، وإذا قصد الحاج مكة المكرمة فعليه أن يركب الشقدف أو الشبرية أو التقم، ويقضي في الطريق يومين وليلتين، غير ما يتعرض له من هياج الجمال وبرطعتها، وكذلك الصعود إلى عرفات وما فيه من شدة الازدحام وضيق الطرق وما يصحب ذلك من ضجيج وعجيج، واعتماد الأقوياء على زنودهم، وسواعدهم وعصيهم وشماريخهم بل وأسلحتهم أحيانا من الخناجر والسكاكين والجنابي، بل لا يتردد البعض من إطلاق الرصاص كما لو كانت هنالك حرب ضروس، كما لا يفوتني أن أشير إلى ما كان يتحمله الحاج من النفقات المضاعفة والضرائب المتعددة وما يتعرض له من الأذى والقذى، أما الحالة الصحية فلا مستشفيات ولا مستوصفات ولا أجهزة طبية ولا علاجات، وأشهد أني رأيت بأم عيني "الموتى" مربوطين على عدد من الجمال يوم "الحدارة"، بأعداد لا تحصى ولا أدري كيف دفنوا ولا أين انتهى بهم الفناء؟، فإذا ما انتهت الجموع إلى الجمرات فإن الصدام والازدحام واللكم والمغل والشتم والضرب والدعس والدهس واختلاط الحيوان والإنسان، كل ذلك هو السمة البارزة التي يستعد بها ولها أغلب المندفعين إلى الرجم".