قبل 14 قرنا تشرفنا بالإسلام، الذي رفع من شأن المرأة، وعَدَل بينها وبين الرجل، فأصبحت مأمورة مثله بالإيمان والطاعة، ومساوية له في جزاء الدنيا والآخرة، ولها حق تحصيل العِلْم واكتساب المعرفة وحرية التعبير، كما لها حق التملك والبيع والشراء والإرث، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على مالها أو يسلبها حقاً من حقوقها.
وقبل 14 قرنا تشرفنا بالقرآن الكريم، الذي رفع من قيمة العِلم ومدارك العقل، فتكررت كلمة العِلم ومشتقاتها فيه 782 مرة، ووردت في 540 آية، لتحثنا رجالاً ونساءً على تلقي العلم واكتساب المعرفة وتنمية الفكر. ولم يكن المقصود بالعِلم علوم الدين فقط، وإنما القصد جميع العلوم التي تنفع البشرية وترقى بالإنسانية وتنمي مداركنا العقلية، لتطلق العنان لمنابع أفكارنا في البحث والابتكار، وتطويع نتائج مواهبنا لصالح مجتمعاتنا. ولو كان القصد غير ذلك لما تفوق علماء المسلمين في أوج الحضارة الإسلامية على غيرهم من علماء القرية الكونية في كافة علوم الطب والجبر والهندسة والفلك والرياضيات، ولما احتلت دول العالم الأول اليوم مركز الصدارة في عدد براءات الاختراع.
وإذا كان العِلم في المنظور القرآني يشمل جميع فروع المعرفة في مختلف مجالات الحياة، فإن هذا العِلم سيقود حتماً كافة العلماء والخبراء من الرجال والنساء إلى الإيمان بالله وتوحيده لمعرفتهم بعظيم خلقه ودقيق صنعه، كما جاء في الكتاب الكريم: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ". لذا أكدت أكثر من 70 آية تشجيع الله - سبحانه وتعالى - للعلماء والمفكرين على البحث العلمي في كافة علوم الكون وبحوث السموات والأرض، كما جاء في الآية الكريمة: "يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".
في جميع هذه الآيات، التي تحث على العلم والفكر والمعرفة وتثني على العلماء والمفكرين، لم يميز القرآن الكريم بين المرأة والرجل في اكتساب العلم، ولم يفاضل سبحانه وتعالى بينهما إلا بالتقوى. ولكن للأسف الشديد كان لحركات الخوارج في عالمنا الإسلامي الباع الأطول في خطف ديننا الحنيف وتشويه مبادئه، مما أثلج صدور أعدائنا وحرضهم على التمادي في مطالبتنا بإنصاف المرأة وتمكينها في مجالات التعليم والبحث والمعرفة.
ولعل قصة نجاح الطالبة الباكستانية المسلمة "ملالا يوسف زاي" في ميدان التعليم، ونجاتها من حادثة الاغتيال على يد حركة طالبان، تعد أكبر مثال على اختطاف الإسلام. فبينما كانت الطفلة "ملالا"، التي لم تكن قد تجاوزت 14 عاماً من عمرها، عائدة من مدرستها بمدينة "سوات" في 9 أكتوبر لعام 2012، اعترض حافلتها مسلحان من حركة "طالبان" وأطلقوا النار على رأسها، مما أدى إلى إصابتها بجروح بالغة ونجاتها من الموت بأعجوبة. وأعلن زعيم الحركة، الذي يتشدق باسم الإسلام، أن محاولة اغتيال "ملالا" كان بسبب كتاباتها التي تدعو للسلام والأمن وتنادي بحق البنات في التعليم.
بعد 3 سنوات على محاولة اغتيال "ملالا" واستكمال علاجها، أعلنت الأكاديمية النرويجية يوم الجمعة الفائت منح جائزة "نوبل للسلام" إلى هذه الفتاة الباكستانية المسلمة، لنضالها ضد قمع الأطفال وتعزيز حق البنات في التعليم، لتصبح "ملالا"، التي لا يزيد عمرها اليوم على 17 سنة، أصغر شخص في العالم يفوز بجائزة "نوبل" خلال 114 عاماً من تاريخ منحها.
وكانت "ملالا" قد استلمت في العام الماضي جائزة "سفير الضمير"، التي تعد أرفع جوائز منظمة العفو الدولية، الخاصة بتكريم الأشخاص الذين يناضلون من أجل دفع وتنمية حقوق الإنسان، كما نالت في عام 2012 الجائزة الوطنية الأولى للسلام في باكستان، وحصلت في عام 2013 على جائزة السلام الهولندية الدولية للأطفال، وجائزة "سخاروف" لحرية الفكر من البرلمان الأوروبي، إضافةً إلى قيام الحكومة الكندية بمنحها الجنسية الفخرية. وفي 11 أكتوبر 2013 استقبلها الرئيس الأميركى "باراك أوباما" وزوجته فى البيت الأبيض، اللذان أشادا بأسلوب "ملالا" الملهم في تعليم بقية الفتيات المسلمات فى باكستان.
طبقاً لمبادئ ديننا الحنيف، فإن الإسلام سبق كافة هذه المؤسسات الدولية بتكريم أهل العلم من النساء والرجال، وكفل للطفلة الباكستانية المسلمة أفضل الجوائز وأرفع المراتب لشغفها بالعِلم والمعرفة. وكان بمقدورنا اليوم أن نسبق جميع سكان العالم في تشجيع "ملالا" على مواصلة أعمالها في مجالات البحث والابتكار، إلا أن جائزة "نوبل"، التي تم تأسيسها بعد بزوغ فجر الإسلام بأكثر من 13 قرنا، سبقتنا في إنصاف "ملالا" ومساندتها لاسترداد حياتها المسلوبة، فجاءت هذه الجائزة وغيرها لتؤكد لنا فشلنا عبر القرون السابقة في تنفيذ تعاليم ديننا الحنيف، وابتعادنا عن الاقتداء بسيرة نبينا العطرة، وتمادينا في تغليب عاداتنا السيئة على عباداتنا السمحة.
وهكذا تلصق بنا اليوم تُهمة الإرهاب، علماً بأن ديننا الحنيف كان أول من اجتث جذوره وأنزل العقاب الصارم بأصوله وفروعه. وهكذا تحثنا دول العالم اليوم على تطبيق مبادئ حقوق الإنسان وتحرير المرأة، بينما شريعتنا السمحاء كانت أول من أعتق الإنسان وأطلق حرية المرأة ومنحها كامل حقوقها. وهكذا يؤاخذنا الوافدون اليوم على افتقار السماحة في أمرنا بالمعروف والنهي عن المنكر، بينما كتابنا المنَّزل كان أول من أعزّنا بسماحة شريعتنا وكرّمنا بحُسْنِ خُلق رسولنا لنتشرف بأن نكون خير أمة أخرجت للناس.
وهكذا تطالنا الشبهات وتلاحقنا التهم والنظرات ما دام بيننا - معشر المسلمين - من لم يطبق بصدق مبادئ شريعتنا السمحاء.