وأظن أننا في المكان المناسب الذي ينتعش فيه عجز البيت "تعددت الأسباب والموت واحد"! نفقد هنا وهناك أحبابا لنا قضوا في حوادث عدة، قاسمها المشترك الإهمال وعدم الجدية في تطبيق القوانين والاستخفاف بالعقوبات، وفيما الحزن يغمرنا والسواد يلفنا، وفي الوقت الذي لم تنفض فيه مجالس العزاء فإن المتسبب ما زال طليقا يمارس حياته بشكل اعتيادي وبضمير لا يعتريه التأنيب!

فقدنا "لمى" بداية العام، كل ما فهمنا أن حفرة ضخمة التهمتها بعدما حفرها أحدهم ثم تركها مكشوفة كمصيدة بشرية متوثبة! أما باقي التفاصيل بشأن العقوبات المقررة والخطوات التي من شأنها الحد من حادثة مشابهة فسمعناها كهمس خافت يلفه الخجل، هذا الخجل جعلنا نشاهد فيما بعد الكثير من الحفر والآبار المكشوفة التي كان حظها أنها لم تلتهم أحدا بعد فظلت لأجل ذلك مكشوفة، كان آخر تلك الحفر بئرا في مدينة أبها وبجانب سوقها الأشهر "سوق الثلاثاء"، تلك البئر ظلت لسنوات على تلك الحال حتى تبرع أحدهم بتصويرها والتحذير منها فتم تسويرها بعد ذلك، وكالعادة تموت تفاصيل هذه القصص داخل هذه الحفر!

تأتي اليوم حادثة التحلية التي أودت بحياة طفل ووالده لتؤكد أن حفر الموت التي تنتعش بيننا بانتظار ضحايا جدد، الجديد هذه المرة أن هذه الحفر لم تكن متوارية في شارع خلفي ولا في أرض بعيدة عن النطاق السكاني، هذه الحفرة كانت تترصد للطفل ووالده في أهم شوارع المدينة الصاخبة، الجديد أيضا في حادثة التحلية ليس الاستخفاف بالأنظمة وليس التنبؤ بضعف العقوبات المقررة، الجديد هو أننا اليوم بتنا نقلب أوراق الأنظمة واللوائح القديمة لأجل فقط البحث وتحديد على من تقع المسؤولية؟

ومنذ الوقت الذي وقعت فيه حادثة التحلية - صباح الخميس المنصرم - وحتى هذه اللحظة فإن وسائل التواصل الاجتماعي تزخر بصور ومقاطع فيديو لحفر مشابهة كانت تتربص بالسكان هنا وهناك، مما ينبئ بأن مشكلة الإهمال ضاربة في القدم، وعصية على الحل على الأقل قبل أن تبتلع مزيدا من الضحايا!