هي أول الأخبار وآخر الأخبار على شاشات تلفزيونات العالم، والموضوع الأبرز والشغل الشاغل لمراكز الأبحاث والدراسات الجيوسياسية والثقافية والاجتماعية، وهي حديث المجالس وسالفة الصوالين وهاجس المتسامرين، والعنوان العريض والمانشيت الأبرز للصحف والمجلات العالمية، وهي الملف الأول على طاولة أجهزة الاستخبارات الدولية والكلمة الأكثر تكرارا في مراكز المعلومات في الأرض والفضاء، بل هي الكلمة الأعلى ترددا بين الأرض والسماء.
ما هذا المارد الذي خرج فجأة وصار حديث الناس؟ كيف تأتى لمثل هذا التنظيم أن يحوز على هذا الحضور بهذه السرعة؟ كيف أمكنه أن يتمدد على الأرض ويسيطر؟ ومن الذي زوده بالسلاح في ظل أن الجميع يتبرأ منه ومن صناعته أو تأييده؟
كيف يكون الكل ضده.. ومع ذلك يعجزون حتى الآن عن صده؟!
كيف يزداد المتوافدون إليه من أرجاء العالم رغم كل السوداوية والعنف والتشدد والبطش التي يمارسها في إصدار الأحكام وتنفيذها من خلال جز الرؤوس أمام الملأ وعلى الهواء مباشرة؛ فيما الكاميرات الأحدث تصور الحدث الذي سرعان ما يتم تداوله في الأوساط، لكن لا شيء من هذا الرعب ولا شيء من هذه القسوة ولا شيء من هذا الظلم ولا شيء من هذا التسرع في إصدار الأحكام وتنفيذها يردع أو يحول دون توافد الشباب من أميركا وأوروبا ومن عالمنا للانخراط في صفوف هذه الحركة العابرة، هل قلت إنها حركة عابرة؟
نعم أظن أن "داعش" مثلها مثل كثير من حالات التوحش والقنوط التي يمر بها البشر على حين من الزمن يسود فيه الظلم ويغيب العدل وينتشر التطفيف والكيل بمكيالين، ويسيطر فيه القوي الذي يبطش بالدول الأضعف والشعوب الأفقر، ثم إذا استفحل الأمر خرج نفر من البشر يبيعون أرواحهم انتحاراً بسبب سيطرة الظلم وغياب العدل وتفشي الفساد بما يورث الإحباط والقهر عند البعض على نحو يدفعهم لمحاولة الانتقام من هذه القوى الظالمة، ثم يأتي الوازع الديني كحافز لتنفيذ أي عملية انتحارية انتقاما من الظلم ثم الذهاب سريعا إلى عالم العدل السماوي.
أما كونها ظاهرة فمرد ذلك لكونها حركة غير قابلة للحياة الطويلة، وإنما البقاء بشكل عابر بسبب العنف والرعب اللذين تشيعهما في الأوساط، وبسبب الاستقطابات التي تدعمها من خلال بعض القانطين من الظلم، فيتنمرون وتصيبهم شهوة الانتقام والولوغ في الدم.
هذه الفرق الخارجة وجدت في الماضي وتوجد في الحاضر وستظل تظهر كل حين كنبتة شوكية كلما استفحل الظلم والفساد والاستغلال.
كما أن هذه الحركات الخارجة والمتطرفة تتبنى العقائد والأيدولوجيا على نحو مسرف وفهم مغلوط، وهي وجدت في المسلمين وفي غير المسلمين، ومن تلك الحركات فرقة "الحشاشون" التي قادها الحسن بن الصباح ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، وكانت إستراتيجيتهم العسكرية تعتمد على الاغتيالات وإثارة الرعب. وفي ألمانيا ظهرت حركة بادرماينهوف أو "الجيش الأحمر" وكانت من الحركات اليسارية الشيوعية التي تعتمد المقاومة المسلحة فيما اعتبرتها حكومة ألمانيا الغربية آنذاك حركة إرهابية، أما في اليابان فنشأت في السبعينيات حركة "الألوية الحمراء" وتبنت الدعوة إلى ثورة ماركسية عالمية. وجميع هذه الفرق قامت على العنف والقوة ونفذت الاغتيالات والعمليات الانتحارية.
ومع الحضور الطاغي لهذه الحركات المتطرفة في حينها إلا أنها مضت إلى حتفها المحتوم ومعظمها في أزمنة وجيزة، وهذا ما يدعوني إلى اعتبار "داعش" ظاهرة عابرة مصيرها إلى الزوال لأنها -فكرا وسلوكا- لا يمكن أن تكون نهج حياة، ولا يمكن لمثلها أن يؤسس دولة يتم فيها ومن خلالها وعليها تعايش بشري.