مع توالي رحيل عدد من المفكرين العرب المعاصرين مؤخراً، وعلى وجه الخصوص هذا العام 2010 (محمد أركون، محمد عابد الجابري، نصر حامد أبو زيد، غازي القصيبي) يتجدد السؤال حول فاعلية الفكر العربي واستجابة المجتمع والأفراد لما طرحه هؤلاء المفكرون من مشاريع فكرية ونتاج معرفي.
من أهم سمات الفكر الإنساني قدرته على تقديم الجديد وتغيير الواقع. إلا أن هذه القدرة لا تتحقق إلا إذا استطاع المنتج الفكري أن يترك أثراً على أفراد المجتمع بشكل عام وعلى المشتغلين بالطروحات الفكرية بشكل خاص، أي أن يتمتع بسمتين مهمتين: التفاعلية والتراكمية. عن طريق التفاعلية تتحدد استجابة الأفراد لما يعرضه المفكرون من أفكار جديدة مغايرة للمألوف والسائد. وتعمل التراكمية على البناء على ما طرح من أفكار سابقة والاشتغال بتطويرها بشكل يجعل منها أثراً فاعلاً ومؤثراً على تطوير الذهنية الفكرية السائدة لدى الأفراد. إلا أن المراقب للمنتج الفكري العربي بشقيه القديم والحديث يلحظ غياب هاتين السمتين أو ضعفهما. فالفكر العربي المعرفي والفلسفي منذ بداياته لم يترك أثراً على الأفراد وهذا ما يفسر ظاهرة ضعف الاستجابة وانعدام الاستفادة من أفكار الفلاسفة العرب والمسلمين منذ ابن رشد والفارابي وغيرهم من أعلام الفكر العربي. هذا بالإضافة إلى ضعف التراكمية والبناء على ما قدمه المفكرون القدماء من معرفة فكرية. وهذا يتجلى في تشتت المشاريع الفكرية التي قدمها المفكرون العرب في العصر الحديث بالرغم من كثرتها.
وللتدليل على هذا الوضع في مجال الفكر العربي دعونا نتناول المنتج الفكري الذي قدمه المفكرون العرب المعاصرون وقدرته على التأثير في الذهنية الفكرية والبنية المعرفية لدى العرب اليوم. ويمكن ملاحظة أن المفكرين العرب المعاصرين على اختلاف توجهاتهم وتنوع أدواتهم ومناهجهم التحليلية ظلوا هامشيين في مجتمعاتهم فلم يكن لهم من أثر يذكر على فكر الفرد وقدرته على التعاطي مع متغيرات العصر أو مساهمته في بناء الحضارة الإنسانية اليوم. ويمكن استثناء طه حسين الذي لم يكن هامشياً رغم تعرضه للمحاربة الفكرية. فنحن نذكر بوضوح اليوم وبعد رحيل المفكرين العرب أن هؤلاء لم يكن لهم نصيب من المجتمع إلا الإقصاء والتكفير بل والنفي إلى خارج أوطانهم. فقد اتهم المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، الذي انخرط في مشروع نقد النصوص وتفكيك الخطابات، اتهم بسبب أبحاثه العلمية بالارتداد والإلحاد. فكان أن أبعد عن بلاده وفرق بينه وبين زوجته فيما احتضنه قسم الدراسات الإسلامية في جامعة لايدن بهولندا ليرحل كما حكم على أفكاره بعيداً عن وطنه.
وليس ببعيدة عنا تجربة المفكر الجزائري محمد أركون المتخصص في شؤون الدراسات التراثية في ميدان الإسلاميات. فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى مؤخراً في باريس التي عمل فيها باعتباره أستاذاً لتاريخ الفكر الإسلامي في جامعة السوربون التي أتاحت له المناخ العلمي المعرفي لتأليف عشرات الكتب بالفرنسية في مجال نقد العقل العربي الديني ممثلاً بالعقل الإسلامي.
أما المفكر المغربي محمد عابد الجابري فقد توفي هذا العام مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً كبيراً خاصة عبر ثلاثية نقد العقل العربي (تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي) التي استطاع فيها القيام بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي وهو مبتكر مصطلح "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى. وفي نهاية تلك السلسلة يصل المعلم إلى نتيجة مفادها "أن العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الابتكار".
وما تشخيص المفكر العراقي علي الوردي لمهزلة العقل البشري إلا أثر يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد. وقد اعتمد الوردي كثيراً على نظرية ابن خلدون الواردة بمقدمته المعروفه واعتبره المنظر الحقيقي للمجتمع العربي في تلك الفترة، وكان ابن خلدون موضوع أطروحته للدكتوراه. وقد كان الوردي أول من دعا إلى "علم اجتماع عربي" يدرس المجتمع العربي في ضوء خصوصياته الجغرافية والثقافية، وانطلاقاً من أفكار ابن خلدون ركز الوردي على عامل البداوة وقيمه وأثرها في تكوين الشخصية العربية.
أما المفكر الجزائري مالك بن نبي فيلسوف العصر الَّذي تفوَّق على الفلاسفة بدمجه ثقافاتٍ غربيةٍ وشرقية تحت رغبةٍ صادقة في تغيير وضع العالم الإسلامي المضمحِّل فقد يكون أكثر حظاً من غيره من المفكرين ويكفي أننا مازلنا نحفظ عنه مقولة "القابلية للاستعمار" دون أن نعي طريقاً للخروج من تبعاتها كشرط من شروط النهضة!.
غازي القصيبي المفكر المبدع الذي لم يقتصر إنتاجه على الشعر والرواية بل تعداه إلى الشؤون الفكرية في مجتمعه، حيث دارت نزاعات فكرية ثقافية وصلت إلى مراحل متقدمة من الطعن في غازي عبر المنشورات والمنابر وأشرطة الكاسيت، فأصدر غازي حينها كتاباً بعنوان "حتى لا تكون فتنة" وهو بمثابة الرسالة، يوجهها نحو من جعلوا أنفسهم خصوماً له.
تضاف إلى قائمة هؤلاء المفكرين العرب الذين رحلوا مؤخراً قائمة طويلة لمفكرين عرب مازالوا يسهمون بإنتاجهم الفكري والمعرفي مثل الدكتور محمد جابر الأنصاري المفكر البحريني، أستاذ دراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر، وعبد الله العروي المفكر المغربي الذي احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الأيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة، والعديد من المفكرين العرب المعاصرين أمثال هشام جعيط ومحمد شحرور وحسن حنفي والصادق النيهوم ومحمد عمارة، وعلي حرب ورضوان السيد والسيد ولد أباه وصادق جلال العظم وعلي مبروك وطه عبدالرحمن وإبراهيم البليهي. جميعهم بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما قدموه من أفكار، أسهمت في نقد ما يعانيه الفكر العربي الإسلامي من تأخر وحاولوا مساءلة العقل العربي وتجديد الفكر الإسلامي وتطويره بمناهج منفتحة على مكتسبات الفكر المعاصر لكن تأثيرهم لا يزال دون المتوقع في الخروج بهذا الفكر المغلق الذي يرى في اجترار الماضي وتغييب العقل وطغيان الخطاب الوعظي نموذجاً لا يحيد عنه في الوقت الذي ينظر فيه للاختلاف والمغايرة باعتبارهما ابتداعاً وانحرافاً.
المطلوب اليوم هو صياغة مشروع نهضوي معاصر يستفيد مما يطرحه المفكرون، وبناء ذهنية فكرية جديدة للإنسان العربي، ولا يمكن القيام بهذه المهمة إلا بتبني نظم وأدوات معرفية جديدة تدخل في صلب مناهجنا الإصلاحية في التعليم والإعلام والثقافة. أي أننا بحاجة إلى مراجعة موقفنا من معالجة التراث والحرية والهوية والحداثة ومفهوم الدين والتدين للخروج من ضيق التقليد والمنهج الوعظي إلى رحابة القيم الإنسانية وسعة المنهج النقدي التحليلي حتى نكون أمة تعيش في الحاضر وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية بدلاً من إحياء قضايا جاهلية تجتر آلام الماضي ونكباته.