في الحي المجاور لحيّنا يعيش رجل مسن وأعزب، بلغ الستين من عمره في سنوات من معاناة الفقر والحاجة، وعاش معسرا في بيت ذي سقف متهالك مكون من غرفتين، ويجتهد في كسب رزقه من صنع القهوة والشاي في المناسبات، والناس ينظرون إليه بعين الشفقة، فيحرص أهل الخير على إعطائه النصيب الممكن من الصدقات وفائض المأكولات، إلا أنهم بالمقابل لا يعطونه التقدير الكافي كإنسان، بالشكل الذي يؤهله للاندماج بهم في المجالس والمناسبات الخاصة والعامة.

وفي سبيل التطوير جاء من مشاريع البلدية توسعة الطريق الرئيسي الذي يمر بالأحياء في منطقتنا، والمساحة تتطلب الأخذ من أملاك الأهالي وتعويضهم، وقد كان له من ذلك نصيب، فأعطي تعويضا مقابل أملاكه المجاورة لبيته يقدر بملايين الريالات، الأمر الذي كان بمثابة نقطة التحول في حياته، ولك أن تتصور أن مثل هذه الرجل الذي عاش سنوات طويلة من الدونية والعزلة بسبب فقره قد حاز مؤخرا على مقعد مهم في المجالس والاجتماعات، وأصبح من كبار شخصيات الحي الذي يعنى بتوجيه الدعوات إليه لتشريف الموائد وحضور المناسبات.

هذه المسألة قائمة على إغفال جوانب مهمة، أولها المقياس الخاطئ لمنح الإنسان حقه في الاحترام، وغير ذلك معيار نظرة الفرد إلى نفسه، فالمبتلى بهذه الذهنية يهمل القيم الحقيقية والأخلاقية التي تبنى عليها العلاقات بين البشر، بمقابل القيم التي يفترض أن يرى بها نفسه، وحسب هذا المعيار، فالمال يجعل منك شخصا جديرا بالتقدير، وهو المعيار الذي تتحدد به الكثير من المواقف وتقوم عليه الكثير من التعاملات، كهذا المثال الذي ذكرت، وكقبول الفتاة وأهلها بالعريس المتقدم للزواج، وكاختيار الأصدقاء، وقد يحاول الفرد أن يصنع لنفسه مكانتها الاجتماعية من خلال هذه العلاقة، وهذا ينطبق على العديد من العلاقات بمختلف صفاتها وصلة قرابتها.

قد يشعر المرء بالسوء إذا ساءت حالته الاقتصادية، ويشعر إلى حد ما أن المال يساوي احترام الذات، وإن كانت مسألة تبنى على الحالة الشخصية، إلا أن الأسوأ أن ينعكس شعور النقص هذا على التعامل مع الآخرين.