تتحقب الأزمنة وتطوف الأعوام، مر القرن العشرون كأسرع القرون على البشرية.. حدثت أمور هائلة وتغييرات عميقة فظيعة التفاصيل وهائلة النتائج، ومن جملة عقود ذاك القرن كانت الستينات الميلادية شيئا لافتا وحريا بالمتابعة، صحيح أن أواخره شهدت قفزات تكنولوجية وعلمية مميزة لكن تبقى للستينات نكهتها وطبيعتها الفاصلة كعقد مفصلي نقل مجتمعات العالم، ومثل خطا زمنيا حقيقيا ما بين عصرنتها وتخلفها.

أتت الستينات بثمار كثيرة حضارية وإنسانية، وكأنما استفاقت الإنسانية من سباتها وبدأت للتو في الركض باتجاه الحياة سواء بسواء مجتمعات وأفرادا، من هناك بدأت فكرة التواصل الكوني الهائل الذي أتاحته التكنولوجيا مما أتاح عبور الأفكار والتقليعات والشطحات إلى جميع سكان الأرض في وقت متقارب، جاءت الستينات بالنزعات الفردية العالية والصخب والثورة والجمال الذي يخلع القلب والعقل، حيث "البيتلز" و"جيفارا" و"فيتنام" و"كنيدي" وسينما الحشود وغزو الفضاء، الموضات بقصات الشعر القصيرة، الذين عاشوا شبابهم في الستينات قالوا إنها سنوات مختلفة تخلصت فيها أوروبا من أثار الحرب الكونية وصعدت أميركا إلى الفضاء والعالم العربي يمور بالمتغيرات والشباب الوطني يفور حماسا ورغبة في الاستقلال. إنها الستينات "مارلين مونرو" و"بريجيت باردو" و"صوفيا لورين" و"جينا لولو بريجيدا"، "ألفيس" و"محمد علي كلاي"، أنور وجدي ومريم فخرالدين وكمال الشناوي وفؤاد المهندس، فاتن حمامة وهند رستم، إسماعيل ياسين والنابلسي عبدالسلام وقبلهم عبد الحليم وفريد ورشدي وكارم، "سارتر" و"ألن ديلون"، التلفزيون والعطاءات الفكرية الاستثنائية المتدفقة في كل المجالات، حيث بيروت مختلفة، والقاهرة عاصمة الفكر والدنيا يفد إليها الشباب من كل البلاد عربا وأفارقة طلبة وثوارا وسياسيين مبدعين، بينما تصدر المعلمون والمهندسون والأفكار والكتب.

ميز عقد الستينات القرن العشرين وصنع أهم سياسيه، كأنما اكتشفت البشرية فجأة نفسها، تدفق النفط مغذيا المصانع والطائرات والمدن العملاقة، ربطت أطراف الكرة الأرضية ببعض، شاع الاستقرار الكوني بفضل الحرب الباردة وتوازن القوى، أخذ الصراع طابعا ناعما بأدوات ثقافية، توفرت المعرفة بصيغ شعبية ورخيصة، أتاح الترانزستور تملك الراديو فطاف البسطاء العالم بأسماعهم واشتعل خيالهم بالحكايا والأمنيات البعيدة.

إنها الستينات حيث الألحان المشاغبة والقصائد المتمردة، فيروز والرحابنة، الإطلالات الشقية لشادية ومحمد فوزي ومحاولات يوسف شاهين الشابة قبل أن يتحول لكائن ممل وكئيب، فتنة الستينات المبهرة التي كلما شاهدتها مشهدا سينمائيا أو فيلما وثائقيا أو أغنية تدور في أسطوانة امتلأت بحبها، كان الشعراء والروائيون والموسيقيون والكتاب أكثر عمقا وشغبا لمخالفة السائد والمطروق والمتداول، كانت اللهفة أعظم لما هو غريب، والمعرفة خيارا أصيلا من خيارات الحياة، الحياة التي بدأ الناس يكتشفون تفاصيل أكثر متعة عنها وانخلعوا للتو من شظفهم.