"المنة تهدم الصنيعة" كما قيل في الأثر، والصنيعة هنا المقصود بها المبادرة لفعل شيء إيجابي أو فعل خير تجاه الغير ولا يقصد به القيام بالواجب، لأن الواجب ليس من باب الصنيعة بل هو فرض يجب القيام به، وبما أن المنة من قسوتها هدم الصنيعة فكيف بها وهي تضرب بمعولها على واجب مفروض، كنت تقوم به! فإنها عندئذ لن تكتفي بالهدم فقط بل بسحق الفعل ومحوه تماماً.

في رد الأمير نواف بن محمد رئيس الاتحاد السعودي لألعاب القوى يقول: "بودي لو أسأل يوسف مسرحي سؤالا بسيطا وهو: كيف أصبح بطلا؟ كيف استطاع أن يعيش في لوس أنجلوس سنتين؟! كيف وقع عقدا مع "نايكي" وبحقوق كبيرة؟ وكيف وصل إلى منصات التتويج؟ من دفع له جميع التكاليف المادية؟ من دفع للمدرب "جون سميث" أكبر مدرب في العالم"؟ ومن ثم يسترسل ويقول للمذيع "لا تعتقد أن يوسف مسرحي حقق شيئا كبيرا"!! شاب سعودي يحقق الميدالية الذهبية لبطولة آسيوية في سباق 400م ومن ثم يأتي المسؤول الأول عن رياضة ألعاب القوى ويقول إن هذا ليس بإنجاز كبير!!

وعودة على أسئلة سمو الأمير نواف بن محمد في رده على يوسف مسرحي فهو في البداية قال أريد أن أسأل يوسف سؤال بسيط، وفي الحقيقة لم يكن سؤالا بسيطا بل عدة أسئلة بسيطة، ويستطيع أقل الناس ثقافة في ألعاب القوى الإجابة عنها. والسؤال الأول: وهو كيف أصبح يوسف مسرحي بطلا؟ أصبح بطلا لأنه يحلم.. يحلم أن يصبح بطلا منذ طفولته وهو يركض حافي القدمين حول مضمار ملعب ترابي وحواجز صنعها من الخشب بيديه.. وأن تتبناه أي مؤسسة رياضية وتنمي موهبته فإن هذا واجب عليها وفقا للائحة وقوانين الرياضة السعودية، ولا يستدعي التمنن بالدعم؟

والسؤال الثاني: "كيف استطاع العيش في لوس أنجلوس لمدة سنتين"؟ ونحن نقول لسمو الأمير إن أصغر "سوبر ماركت" في العالم حين يرسل أحد أفراده لسوق الجملة في مهمة عمل فإنه يتحمل نيابة عنه كافة التكاليف مثل مصاريف سيارة الأجرة والأكل والشرب بالإضافة إلى مكافأة على جهده، فما بالك بمؤسسة رياضية حكومية لدولة مثل المملكة ترسل أحد أفرادها في مهمة تدريب شاقة تكون إحدى ثمارها ذهبية آسيوية؟! مهما بلغ حجم المصاريف فهي لا تذكر أمام هذا الإنجاز الذي يحمل الخفاق الأخضر على منصات التتويج العالمية.

أما بخصوص سؤاله عن عقد "نايكي" فإنني أود أن أخبر سمو الأمير أن شركة "نايكي" هي من تبحث عن النجوم وتوقع عقودها معهم طمعا في تسويق منتجاتها، ومن أجل مصلحتها التجارية، والتسويقية، بل وهناك تقصير من قبل الاتحاد السعودي لألعاب القوى لأنه لم ينجح في رفع قيمة العقد الذي لا يساوي شيئاً يذكر أمام عقود "نايكي" مع شخصيات رياضية أخرى.. ويعود الأمير مرة أخرى ويسأل سؤالا مشابها للسؤال الأول: "كيف وصل لمنصات التتويج"؟ وبنفس أسلوب التمنن والاستكثار وكأنه يقول للبطل يوسف لولا الاتحاد السعودي لألعاب القوى ودعمه لك لما وصلت إلى منصات التتويج، وكأن ذلك ليس من ضمن مهام الاتحاد الوظيفية التي يقبضون أجورا من أجل تنفيذها.. وأخيرا يسأل من دفع تكاليف المدرب العالمي "جون سميث"؟ وهذا إمعان في التمنن والاستكثار وكأن تكاليف المدرب "جون سميث" قدمت من قبل أحد الداعمين للرياضة السعودية وليست من حساب وميزانية الحكومة المرصودة مسبقاً لدعم المواهب وتنميتها لحصد المزيد من الإنجازات الرياضية!! لو جمعنا كافة تكاليف ومكافآت وعقود الرعاية التي حصل عليها البطل يوسف مسرحي فإنها لا تمنحه منزلاً حقيقيا يؤويه هو وعائلته الكبيرة بدلاً من منزله المسقوف بالصفيح كما شاهدناه في اللقاء الذي شرح فيه معاناته وحزنه، ولو قارنا المبالغ التي حصل عليها وسيحصل عليها؛ بعقود ومكافآت لاعبين حصدوا ميداليات ذهبية في سباق الـ400 م فإننا حتماً سنشفق عليه من شح المكافآت التي حصل عليها من الاتحاد السعودي لألعاب القوى ومن عقده الشحيح مع شركة" نايكي" ودعم رجال الأعمال.

الشاب السعودي -أو الفتاة السعودية- الذي يرفع راية وطنه في أي محفل وطني في أي مجال كان ولو صغر فإننا مهما منحناه لن نوفيه حقه، وبهؤلاء سنجد بلدنا يوما ما ينافس في كافة المجالات ولا نرضى سوى بالمركز الأول، ويجب علينا أن ندعمهم ولو بالقول الحسن ولو بالتحفيز المعنوي لا أن نقلل من منجزاتهم ونمن بما قدمناه لهم ونستكثر عليهم الواجب الذي فعلناه من أجلهم.