مهما كانت أسباب تراجع أسعار النفط ونتائجها الوخيمة على أسواقنا المالية واقتصادياتنا الريعية؛ فلا بد أن نعترف بتقصيرنا الذريع عبر سنوات الطفرة الثانية في إيجاد البدائل المثلى لتنمية مواردنا وتوظيف عوائدنا الصافية لتقليص الآثار السلبية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط. ومهما كانت دهشتنا واستغرابنا أو استياؤنا وامتعاضنا من تذبذب أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتذرعنا بأنها جاءت نتيجة دهائنا المحنك لدرء نظريات المؤامرة المحاكة ضدنا؛ فلا بد أن نقتنع بعدم جدوى خططنا الاستراتيجية وأهدافنا التنموية، التي طالما استباحت الدعم السخي لأسعار النفط المحلية واستنزفت مشتقاته في توليد الكهرباء وتحلية المياه وملء خزانات الوقود، مما كان له أكبر الأثر في تخليد سمعتنا كأكثر شعوب الأرض استهلاكا للنفط وأشدهم تبذيرا في استخدام المياه.
وإذا كان الحد الأدنى الذى ستتحمله تكلفة الميزانية السعودية في العام الجاري يعتمد في المقام الأول على تحديد سعر البرميل الواحد بنحو 93 دولارا، وذلك للمضي قدماً في إدارة وتشغيل القطاع العام وتنفيذ المشاريع العملاقة؛ فإن هذا الحد الأدنى يرتفع إلى 106 دولارات في العراق و117 في روسيا والإكوادور و119 في نيجيريا و121 في الجزائر وفنزويلا و140 في إيران، وينخفض إلى 90 دولارا في ليبيا و75 في الكويت و70 في الإمارات و65 في قطر. لذا جاءت توقعات صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر يوم 7 أكتوبر الجاري، بانخفاض نمو الاقتصاد العالمي هذا العام إلى حدود 3.3%، وهو أقل من التوقعات التي صدرت عن الصندوق في يوليو الماضي بواقع 0.1%، ومؤكدة على أن السبب الرئيس وراء هذ الانخفاض هو الضعف المستمر لاقتصاد منطقة اليورو، وبطء نمو الاقتصاديات الناشئة، نتيجة توقعات انخفاض أسعار النفط.
عندما نتحدث اليوم عن المكانة الاقتصادية للمملكة، التي يشكل النفط 90% من دخلها، فإننا نشير إلى أقوى اقتصاد ريعي في العالم العربي والثامن عشر في العالم أجمع. إلا أننا عندما نتحدث عن القوة الإنتاجية للمملكة، التي تعتمد على نسبة النمو السنوي الحقيقي للناتج المحلي، فإننا نقف أمام تحديات اعتمادنا على النفط كمصدر وحيد للدخل، مرهوناً بأسعاره العالمية طبقاً لعوامل العرض والطلب، مما يؤدي إلى تأرجح نسبة النمو، ليصبح مستقبلنا مرهوناً بالنفط فقط.
وحتى يتكيف اقتصادنا الوطني مع المتغيرات الداخلية والخارجية، ولكي لا نغرق فى المديونية وأعباء خدمة الدين العام، كما حدث في الثمانينات بعد انتهاء الطفرة الأولى، فلا بد من اعتمادنا على سياسة الاستخدام الأمثل لرأس المال المتدفق والمتكافئ، من خلال تمكين القطاع الخاص من تنفيذ ثلاث خطوات استراتيجية رئيسية: الأولى تهدف إلى فتح الأسواق المحلية للاستثمار الأجنبي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، والثانية ترمي إلى توطين الوظائف لرفع مستوى القيمة المضافة المحلية، والثالثة تسعى لزيادة الصادرات غير النفطية لتنويع مصادر الدخل.
جميع هذه الخطوات الاستراتيجية تعتمد على مستوى القدرات التنافسية لقطاعنا الخاص، لكونه الأكثر قدرة على رفع مساهمته في نسبة نمو الناتج المحلي الحقيقي، ويصبح المحرك الأساسي لاقتصادنا الوطني. لذا لجأت الدول الشحيحة بالنفط إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية التنافسية من خلال تمكين قطاعها الخاص ووضعه على رأس قائمة أولوياتها، ليصبح قاعدتها الأساسية في رفع مستوى إنتاجيتها وتوظيف مواطنيها وتصدير منتجاتها بمختلف أنشطتها. في تلك الدول، أصبح القطاع الخاص جوهرة الاقتصاد العالمي، ليعمل فيه حوالي 70% من مجمل اليد العاملة الوطنية، ويَدُّرُ نحو 95% من إجمالي الدخل المحلي الحقيقي، ويُكْسِبُ الدول مكانة مرموقة في الصادرات الدولية.
اليوم يتربع القطاع الخاص في سنغافورة على عرش أفضل بيئة استثمارية في العالم، ويتألق القطاع الخاص في هونغ كونغ بأعلى نسبة دولية في قيمة الصادرات لعدد السكان، ويفتخر القطاع الخاص في اليابان بصناعة أرقى الأجهزة والمعدات التقنية في المعمورة. واليوم تشكل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في أميركا وألمانيا واليابان نسبة 99% من إجمالي المؤسسات الاقتصادية في القطاع الخاص، وتسهم في توفير نسبة 53% من الوظائف في أميركا، و73% في اليابان، و69% في كل من ألمانيا وفرنسا. واليوم تفتخر الدول بارتفاع نسبة مساهمة صناعاتها التحويلية من الناتج المحلي للقطاع الخاص إلى 16% في دول الاتحاد الأوروبي و28% في الصين و34% فى كوريا الجنوبية. كما تتألق دول العالم اليوم في صادرات صناعاتها التحويلية لتصل نسبتها إلى 77% من إجمالي الصادرات في شرق آسيا و75% في أوروبا و65% في أميركا الشمالية.
بإمكان المملكة أن تصبح الملاذ الآمن المميز لأفضل بيئة أعمال استثمارية في العالم وأكبر قوة تنافسية في المعمورة، ليس لامتلاكها لما يقارب من 25% من احتياطي النفط العالمي فقط، بل لتمتعها بأقوى قطاع خاص في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبإمكان المملكة أن تصبح اليوم الموطن الرئيس لصناعة وتصدير أجهزة تقنية المعلومات والهواتف الذكية وقطع غيار محطات التحلية والكهرباء ومعدات النقل ومواد البناء، ليس لتنفيذنا لأكبر المشاريع وأهمها لمستقبل أجيالنا، بل لأن أسواقنا تعتبر أكثر أسواق المنطقة استيراداً لهذه المحطات والأجهزة والمعدات، ولتمتع السعودية بموقعها الجغرافي المميز الذي يسهم في زيادة القيمة المضافة المحلية وتنمية صادراتنا غير النفطية.
أسعار النفط ليست معصومة من التراجع، لذا علينا فك عقدة اعتمادنا على النفط كمصدر وحيد للدخل، من خلال دعم وتشجيع قطاعنا الخاص وتنمية موارده لرفع نسبة مساهمته في التنمية الحقيقية.