يهدف ديوان المراقبة العامة من إقامة الندوات السنوية إلى "تعزيز التعاون مع الجهات المشمولة برقابته لتحقيق أهداف المراجعة الشاملة والرقابة على الأداء، وتبادل الرأي مع المسؤولين عن الشئون المالية والإدارية في الأجهزة الحكومية، وبحث سبل تفعيل الرقابة المالية الشاملة، واقتراح الحلول المناسبة لمعالجة المعوقات ورفع كفاءة الأداء بهدف حماية المال العام وترشيد استخدامه".
وقد نظم ديوان المراقبة إحدى عشرة ندوة، تمخض عنها نتائج وتوصيات ومقترحات عديدة، ورغم أهمية هذه التوصيات والجهود المبذولة لتحديث وتطوير الأنظمة المالية والإدارية والرقابية، إلا أن ذلك لم يغير الوضع الإداري في الجهات الحكومية بصورة ملحوظة، وما زال الوضع يتصف بالعشوائية الإدارية، فهذه التوصيات لم تؤد إلى إصلاح الجهات الحكومية واختلالاتها الهيكلية، وبالتالي يمكن القول بأن توصيات الندوات السنوية ما هي إلا مجرد مشاريع لم تطبق في الواقع العملي.
فهناك فجوة بين تلك التوصيات والمشاريع التي نتجت عنها والواقع العملي، والخطوة الأولى نحو الإصلاح الإداري وحماية المال العام هي إغلاق هذه الفجوة، بوجود إرادة حقيقية تمتلك مصداقية عملية لا لفظية أو قولية أو دعائية.
فعلى سبيل المثال، الندوة السنوية الخامسة، التي عقدت عام 1429 بعنوان: "مؤشرات قياس الأداء في الأجهزة الحكومية وتطبيقاتها العملية"، التي كانت من أبرز توصياتها: "أن يتولى ديوان المراقبة العامة التوسع في تطبيق رقابة الأداء"، و"إيجاد آلية عملية يمكن من خلالها مشاركة جميع أجهزة الدولة في إعداد ودراسة مؤشرات قياس الأداء وفق الأسس والمنهجية العلمية". وبالرغم من مرور أكثر من (7) سنوات على تلك التوصيات، فما زال ديوان المراقبة ينتهج الرقابة المالية التقليدية، التي تعتبر معظم نشاطه الرقابي، فليس هناك توسع ملحوظ في رقابة الأداء، بل العكس من ذلك! وبالنسبة لمؤشرات قياس الأداء، فحتى تاريخ كتابة هذه السطور، فإن معظم الجهات الحكومية ليس لديها هذه المؤشرات ليتم تطبيقها على خططها وقياس أدائها! حتى ديوان المراقبة نفسه ليس لديه مؤشرات لقياس الأداء!
ولنأخذ مثالاً آخر أكثر وضوحاً من السابق، وهي الندوة العاشرة التي كانت بعنوان "معايير المراجعة الحكومية ودورها في تعزيز كفاءة العمل الرقابي" عام 1434، وكما ذكرت آنفاً، فإن منهجية ديوان المراقبة في عملية الرقابة المالية هي منهجية قديمة لا تتواكب مع التغيرات والتطورات الحديثة للمالية العامة، فكيف يتم تطبيق معايير المراجعة على تدقيق مستندي بحت لا يأخذ في الاعتبار المخاطر وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية؟ بالإضافة إلى أنه ليس هناك مؤشرات تدل على التحول من الرقابة المستندية إلى الرقابة المهنية، وبالتالي فإن توصيات هذه الندوة لن يكون لها تأثير على أرض الواقع بسبب إصرار الديوان على العمل بالمنهجية القديمة.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك ندوات أخرى نتج عنها توصيات تتمثل في قيام ديوان المراقبة بالمشاركة في إعداد أنظمة مالية ومحاسبية، الأمر الذي يقدح في استقلالية الديوان، ناهيك عن بطء التطبيق، ومن ذلك على سبيل المثال: تطوير النظام المحاسبي الحكومي، وإصدار اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية.
ففي الندوة الأولى، التي عقدت في عام 1424، كان من أبرز توصياتها: "قيام ديوان المراقبة العامة.. بتطوير النظام المحاسبي الحكومي لمواكبة التطورات في حقول المحاسبة والمراجعة" و"تأسيس وحدات للرقابة الداخلية في كل جهة مشمولة برقابة الديوان".
وبعد مرور (12) سنة، لم يتم حتى الآن تطبيق نظام جديد للمحاسبة الحكومية في أية جهة حكومية، وقد عقد الديوان في هذا العام ندوته الحادية عشرة، التي كان موضوعها تطوير النظام المحاسبي، حيث إن هناك لجنة مشتركة تقوم بتجربة تطبيق النظام على الجهات المستهدفة بالتخصيص، وهنا أتساءل: إذا كان النظام يتعلق بالجهات ذات الطابع الاقتصادي والمستهدفة بالتخصيص أولاً، فهذه الجهات مسبقاً تقوم باستخدام النظام المحاسبي التجاري، الذي يستند إلى "أساس الاستحقاق".. فكيف سيتم تطبيق النظام الجديد عليها؟ ومتى سيتم تطبيق النظام على الوزارات الحكومية؟ وكيف سوف يراجع الديوان هذا النظام، علماً بأنه شارك في إعداده بشكل رئيسي؟ فهل تجدي المراجعة القديمة لنظام جديد؟
أما بالنسبة لتأسيس وحدات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية، فما زالت هذه الوحدات غير مفعلة، ودورها غامض، وللأسف فإن العديد من وحدات المراجعة الداخلية تقوم بمراجعة تقليدية قديمة، نقلها الديوان إليها! كما أنه ليس لها دور يذكر في رقابة الأداء، وبالطبع لا يستطيع الديوان التطرق إلى هذه الإشكاليات في تقاريره لأنها تمثل انتقاداً له فهو من قام بإعداد اللائحة الموحدة، وبالتالي فإن توصيات الندوات بهذا الخصوص سوف تكون دفاعاً عن هذا المقترح فقط.
يستند ديوان المراقبة بمشاركته في إعداد الأنظمة إلى المادة (الثامنة) من نظامه والتي أناطت به مسؤولية "متابعة الأنظمة واللوائح المالية والحسابية النافذة للتحقق من تطبيقها وكفايتها وملاءمتها للتطورات التي تستجد على الإدارة العامة بالمملكة وتوجيه النظر إلى أوجه النقص في ذلك وتقديم الاقتراحات اللازمة لتطوير هذه الأنظمة واللوائح أو تغييرها".
المادة السابقة لا تشير على الإطلاق إلى مشاركة الديوان في إعداد الأنظمة وإنما إلى تقديم الاقتراحات والمشورة، وليس هذا وحسب، بل إنها تؤكد صراحة على "توجيه النظر إلى أوجه النقص" في الأنظمة والتشريعات، وبالتالي كيف يقوم ديوان المراقبة بذلك وهو من قام بإعداد تلك الأنظمة؟!
إن صياغة القوانين والدراسات ووضع الأنظمة هو الجزء السهل في المهمة فهي تبقى مجرد نظريات، ولكن نفاذ هذه القوانين والتشريعات وتطبيقها على أرض الواقع هو المهم، إذا ما أريد التطور الحقيقي ورفع كفاءة الأداء الحكومي، فالحد من العشوائية الإدارية والفساد لا يكون بدراسة الأوضاع طوال هذه السنين، وإيجاد الحلول واقتراحها دون تطبيقها على أرض الواقع، ناهيك عن ضرورة الفهم الحقيقي لدور وطبيعة الرقابة الحكومية.