لقي إعلان لجنة "بازل" للرقابة البنكية عن القوانين الجديدة المعروفة باسم "بازل3" ترحيباً واسعاً من معظم المعنيين بالعمل المصرفي حول العالم. وقد ركزت معايير "بازل3" الجديدة على زيادة نسبة كفاية رأس مال المصارف من حقوق المساهمين، والتي تقبع اليوم عند 2%، إلى مستوى 4.5%. وكما هو معروف، فإن النشاط التجاري للمصارف يغلب عليه التمويل بالدين، سواء عن طريق الاقتراض المباشر، أو عن طريق استثمار أموال المودعين. وستفرض هذه الزيادة على المصارف أن تمول المخاطر الناتجة عن عملياتها بنسبة أكبر من حقوق المساهمين لتخفيف مستوى المخاطر الكلي للنظام، وتوفير حماية أكبر للمودعين. وتهدف المعايير الجديدة أيضاً لتعزيز متانة النظام المصرفي وإحكام تشريعاته، فهي تدعو لفرض متطلبات رأس مالية أعلى في أوقات فرط زيادة الائتمان، إلى جانب تعزيز جودة الأصول المستخدمة لمواجهة المخاطر، وتشجيع المصارف على استخدام بيوت مقاصة لمبادلة مشتقاتها المالية.
لقد اندلعت الأزمة المالية العالمية نتيجة فترة طويلة من تراخي القوانين التي تراقب العمليات المصرفية، وهذا ما يفسر الترحيب الكبير الذي لقيته معايير "بازل "3 الجديدة. لقد بات العالم اليوم مقتنعاً بضرورة إحكام السيطرة على الصناعة المصرفية لأن فشلها يؤدي إلى فشل كامل للاقتصاد الكلي. كما أن معظم الانتقادات التي وجهت للمنظومة الجديدة رأت أن الجدول الزمني لتطبيق هذه المعايير الجديدة، والذي يمتد حتى عام 2019، طويل جداً لدرجة أن أزمة مالية أخرى قد تحدث فيه، ولذلك فإنه متساهل أكثر من اللازم مع الصناعة المصرفية. ويكمن السبب وراء هذه الفترة الزمنية الطويلة في التكلفة العالية لإعادة تمويل وتشكيل ميزانيات البنوك، وبالتالي فإن طول الفترة سيحد من تداعيات هذه التكاليف.
أما بالنسبة لتداعيات هذه المنظومة على المصارف السعودية، فإنه محدود، بل على العكس فهي تشكل فرصة. فأهم تبعات دخول هذه القوانين حيز التنفيذ سيكون شحاً في خطوط الائتمان المتوفرة في ما بين المصارف مع بعضها البعض. هذه المشكلة لن تعاني منها المصارف السعودية كونها تمر بمرحلة من ارتفاع معدلات السيولة، ما سيتيح لها إقراض المصارف العالمية بعوائد مرتفعة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم رؤوس أموال المصارف السعودية تتكون من حقوق المساهمين، ومعدلات كفاية رأس المال اليوم تفوق المتطلبات الجديدة. وبالتالي فإن المصارف السعودية لن تواجه أي تكاليف إضافية للوفاء بالمتطلبات الجديدة. وسيتيح هذا الموقف القوي للمصارف السعودية استثمار رؤوس الأموال المرتفعة في تمويل عمليات استحواذ في أسواق مجاورة لإنقاذ بنوك من تبعات عدم الوفاء بالمتطلبات الجديدة. معنى آخر، يعطي "بازل 3 " المصارف السعودية فرصة التحول إلى العالمية.