"ولكن أكفان البلدية رقيقة شفافة لاتستر الموتى"، تقولها "تمام" مبررة الشقاء الذي تزاوله كل يوم لتجمع مبلغاً من المال لتشتري به كفنا يسترها عندما تموت.
"تمام" في القصة التي يقال إن عبدالرحمن منيف القاص والروائي الكبير كتبها بعد هزيمتنا النكراء في عام 67، ترتدي ثوباً بالياً مصبوغاً بالأحمر والأخضر والأبيض والأسود، في إشارة ذكية إلى أعلام الدول العربية التي يبدو أن أشاوسها اختاروا ألوانها تيمناً بقول صفي الدين الحلي:
بِيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وقائِعُنا
خضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضِينا
تظل "تمام" تعمل لجمع المال لشراء الكفن، وعندما يكتمل يموت زوجها/معذبها تشتري له كفنا، لتموت بعده، وتكفن بما كانت تخافه: أكفان البلدية التي لا تستر أحداً.
كتبت من قبل عن "فاطمة" مقالاً كان عنوانه: "وين نروح"؛ لذا عندما جاءتني لأساعدها في الدخول إلى موقع وزارة الإسكان ـ في ذلك اليوم العظيم الذي أدخلت وزارة الإسكان فيه السرور والحزن على قلوب عائلات شتى ـ فتحت الصفحة وهي بجواري تتحدث عن انتظار أطفالها السبعة البشارة بأنهم بعد سنوات من إصابة والدهم بإعاقة بسبب حادث مرور، كلفه قدرته وأهليته لرعايتهم، تنقلوا فيها بين بيوت شتى، ستخبرهم وزارة الإسكان أن الدولة لم تنسهم وستمنحهم منزلاً.
كانت اللحظة الأصعب علي تلك التي أخبرتها بأن الموقع يقول إنهم غير مؤهلين وأن لديهم منزلاً فعلاً.
بكت بشدة فأي بيت هو لهم ولا يعلمون عنه شيئا، فكرت للحظة بالأطفال الذين ينتظرون البشارة فأقنعتها بأن ذلك ربما كان خطأ، ومن خلال "تويتر" وجدت أن عديدين يشتركون في هذا الألم في تلك الليلة، وكلهم لا يعرفون من أين جاء هذا البيت الخيالي، وبناء على ما تردد أخذتها في اليوم الثاني لوزارة العدل.
وقف الموظف يصرخ في الناس وزارة الإسكان يبحثون عن عذر، هذه ليست بيوتا هذه أراض بيضاء وسنبلغهم بذلك.
في تلك اللحظة، تذكرتْ فاطمةُ أن زوجها يملك أرضاً في صحراء "ديرتهم" قيمتها العقارية أقل من عشرين ألفا، ولن تصلها الخدمات ولو بعد عشرين عاما.
ذهبتُ معها إلى وزارة الإسكان، وفي المكان الذي اكتظ بالحزانى ومنكسري الأمل، كانت هناك أمرأة تشبه "تمام"، هي الأخرى تمد كفها للموظف متسائلة: لم رفض طلبها وهي لاعائل لها ولا أخ ولا ابن؟ تطلع الموظف بملل ورد بعجلة: "لازم يكون عندك ابن"، فأسقطت يدها الممتدة وهي تقول: "يا أخي عمري خمسة وخمسين ومقطوعة من أين أجيب ولد"؟
تساءلت في مكاني وهي تعبرني بعباءتها الشاحبة كحزنها: أي شرط هذا وكيف وضع؟ كيف لم تكن لمثلها الأولوية؟ أم أن عليها أن تنتحر وتلحق بوالديها مادامت غير قادرة على اختلاق ابن في عالم لا يعذر ولا يفهم؟
جاء دور "فاطمة، ولم تستطع الكلام، فبادرتُ الموظف بالحديث فتطلع نحوي متسائلاً فنظرت نحوها أشجعها، لكنها بكت فعاد إلي، فشرحت له ماحدث فرد: ادخلي الموقع، واعترضي، وضعي الصك وإثباتات إعاقة الزوج، وبدأ مسلسل الاعتراض وتحميل الإثباتات، ولا رد حتى الآن!
في الإحصائيات التي نشرتها "الإسكان"، تبدو الوزارة سعيدة بالرقم الكبير للشباب الذين مُنحوا فرصة العمر "البيت"، ولم تخبر عن العائلات الكبيرة التي يعاني معيلوها من إعاقات، ولماذا تركتهم في الشارع؟
الأسباب التي بررت عدم التأهيل غير منطقية، فإذا كنت تملك القدرة على اكتشاف من يملك أرضاً، لم لا تكمل بحثك وتتأكد من صلاحية هذه الأرض للسكن والخدمات، وهل تناسب متطلبات حياة طالب السكن؟ فإذا كان مريضا أو معاقا فإنه يحتاج للسكن في المدينة، وليس في أرض يقول لك الصك: إنها في صحراء قاحلة ولا أمل في إعمار ما حولها في المرحلة الحالية فما بالك بها.
"تمام"، و"فاطمة"، متشابهتان إلى حد ما، إلا أن "تمام" عملت من أجل كفن يسترها، و"فاطمة" وثقت بوزارة الإسكان التي يبدو أنها تبحث عن التقليل من المستفيدين، وتخلق أعذاراً لمنح مستحقين رغم أن بلادنا تملك القدرة المالية على إسكان جميع من تقدم، فلماذا فعلت الوزارة بالناس ذلك؟
لماذا استثنت نساء بلا ولد أو عائل؟ لماذا استثنت أناسا يملكون بيوتا خربة ومهدمة ولا يستطيع إنسان أن يعيش فيها؟
ماذا يفعل الناس بأراض في مناطق قاحلة أو نائية وهم بحاجة إلى السكن في المدينة؟
كيف غاب كل هذا عن فكر مخترعي الشروط ومنظمي العملية التي جاءت لانتشال هؤلاء الحزانى من بؤر الفقر واليأس. من الذي صادر حلما أرادت حكومتنا أن يكون واقعا، لكن "الإسكان" جعلته مثل أكفان بلدية "تمام" لا يستر ولا يقي من الحاجة؟