ليس المقصود من مقالي هذا محاكمة الأحكام الشرعية، والعلماء السابقين، وتراثنا الخالد؛ إنما هو لطرح قضية مهمة تداولها الكثير مؤخرا، وأقصد قضية رجم الزناة، وما قام به القوم الدواعش، والطالبانيون من قبلهم، وغرضي من الكتابة حول هذا الأمر، وضمن هذه المساحة المحدودة حفظ النصوص الدينية من أن يستخدمها الرواجم؛ محترفو العنف والامتهان، ومحاولة هادئة لإعمال العقل؛ رغم أن أنصار الخطاب الموجه للعقل في زمننا أقل عددا من أنصار مخاطبة العواطف.
يعرف أدنى طالب علم أن القرآن الكريم المقروء مع تشنيعه للزنا ـ {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ـ لم يعضد دعاة الرجم بأي آية، ولم ينص إلا على الجلد؛ دون تفريق بين محصن وغيره، أو عبد وغيره ـ {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..} ـ. وما حصل في حياته صلى الله عليه وسلم ـ إن صحت جميع الروايات ـ كان نتيجة لزيادة رغبة المتلبسين بالزنا في تطهير أنفسهم، وهذا لا يمكن أن يعتمد عليه في الحكم بالرجم، بل على العكس نجد أنه صلى الله عليه وسلم لم يرغب في الرجم، وتمنى السماح بالفرار للمرجوم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي وغيرهم: أن ماعزًا "لما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لحي جمل ـ عظمه الذي تنبت عليه الأسنان ـ فضربه فصرعه، فذُكر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فراره حين مسته الحجارة، قال: فهلا تركتموه". وعند الجمهور يعتبر الهرب وقت تنفيذ الرجم رجوعا عن الإقرار، والرجوع عندهم يوقف تنفيذ العقوبة، أما الشافعية فيرون أن الهرب يقتضي الكف عنه لاحتمال قصد الرجوع؛ فإذا كف فرجع سقط الحد.. ويعرف أدنى طالب علم أن المنافذ الداعية إلى الرجم ضيقة، ومستحيلة؛ فاشتراطُ حضور أربعة شهداء عدول رؤوا المرأة والرجل في حالة زنًا كامل، أمر لا يكاد يتحقق، ولو تخلخلت شهادة أحدهم عوقبوا من دونه، وبسبب ذلك جلد سيدنا عمر بن الخطاب الثلاثة الذين شهدوا في قضية المغيرة بن شعبة لتوقف الرابع عن الإدلاء بشهادته ـ يقول ابن قيم الجوزية في (إعلام الموقعين): "وإنما أمر الله بالعدد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالستر، ولهذا غلّظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حقّ يضيع، وإنما حدّ وعقوبة، والعقوبات تدرأ بالشبهات…".. ويعرف أدنى طالب علم أن الزاني لو أقر على نفسه ثم تراجع لا يُطبق عليه الحد عند ساداتنا الأحناف والشافعية والحنابلة، بخلاف من أصر على الإقرار، وأن الشريك إن أنكر لا يحد، وعند أبي حنيفة إذا اعترف الرجل وأنكرت المرأة تسقط العقوبة عنهما، ويحد الرجل إذا اعترف، والمرأة إذا اعترفت وأنكر الرجل.
أخيرا.. ومع عدم التبرؤ من ورود الرجم في الصحيحين؛ إلا أنه لا يمكنني إلا أن أسجل بالفخر سعة علم الشيخ الإمام محمد أبو زهرة ـ رحمه الله ـ، فقد كان فقيها بحق وهو يجهر برأيه في ندوة التشريع الإسلامي، في ليبيا قبل (42) سنة، قائلا: "الرجم شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور"، ولما روجع؛ رد وقال: "هل معقول أن سيدنا محمد بن عبدالله الرحمة المهداة يرمى الناس بالحجارة حتى الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهى أليق بقساوة اليهود".