يقول الروائي الإنجليزي الشهير (إريك آرثر بلير) المعروف استعارةً بـ(جورج أورويل): "يتخيل كل جيل أنه أذكى من الجيل الذي سبقه وأكثر حكمة من الجيل الذي يليه".
وتمثّل هذه العبارة -العابرة ربما- حقيقة ما يسمى بـ"الهوة بين الأجيال" التي تحدث نتيجة اختلاف الزمن الموجود فيه كل جيل، واختلاف وتطور بعض عناصر الثقافة، والخبرات المكتسبة لدى كل جيل نتيجة الانعزال أو الاحتكاك بالثقافات أو المجتمعات الأخرى.
وتلاحَظ هذه الهوة أكثر من غيرها بين الصغار وكبار السنّ أو بين جيل الآباء وجيل الأبناء؛ بحيث كلما ازداد الفارق العمري ازدادت هذه الهوة اتساعاً، وازداد معها فقدان القدرة على الاتصال السليم والتفاهم البناء، والتشاركية في مختلف شؤون الحياة.
إذ يشعر المراهقون عادة بنوع من "الاغتراب" الاجتماعي، فيعجزون عن التواصل مع من هم أكبر سناً منهم بكثير، ولهذا يلجؤون لصناعة مجتمعهم الخاص الذي يرتاحون فيه ويستطيعون أن يتواصلوا فيه ومعه بشكل شبه طبيعي.
وهذا ربما هو أحد أسباب اشتعال الحركات الشبابية التمردية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي التي عرفت بـ"الهيبيز" وقد بدأت حينها من الولايات المتحدة الأميركية ثم انتقلت إلى بقية أرجاء أوروبا فيما بعد، وذلك نوع من الاحتجاج الاجتماعي على سيطرة عالم الكبار على فتيان هذا الجيل، وقد خرجت هذه الحركة من أروقة الجامعات، وتطورت من مجرد احتجاج شبابي يراه الكبار أنه مجرد "طيش" إلى "نظرية" تحمل بين طياتها رفضاً لمبادئ "الرأسمالية" السائدة والدعوة إلى عالم تسوده قيم الحرّية والمساواة والحب والسلام، ولم تلبث ظاهرة "الهيبيز" أن تطورت وأصبحت تعبيراً شبابياً عالمياً عن حرية تقرير الحياة والمصير، من خلال السياحة والتنقل كيفما اتفق في العالم الواسع.
وكان أبرز ما في هذه الحركة العالمية من رمزية "إطالة الشعر، والملابس الفضفاضة" وقد انغمس أفراد هذه الحركة في عالم الانحراف كالمخدرات والجنس والموسيقى ذات الرتم العالي جداً.
ولا شك أن هذه الحركة قد أثرت على سياسات الدول في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، حيث بدا العالم حينها شديد الانتباه إلى هذه الظاهرة إلى أن تسنّم "الشباب" مركز القرار في أهم دول العالم في القرن الحادي والعشرين.
وعلى المستوى المعاصر، يحاول "شباب" العالم صناعة واقعهم وزمنهم الخاصّ، بزيّهم الخاص، وألفاظهم ومصطلحاتهم، وهيئتهم وأشكال أجسادهم، في محيطهم العام والخاص.
والشباب كما هو معروف لديهم قضاياهم وأحلامهم وطموحاتهم في مجتمعات يشعرون فيها بقوة بـ"الهوة بين الأجيال" كلما شعروا بالتهميش يعملون على التغيير بأعمال بسيطة أو عظيمة أو خطرة، والشباب العرب كانوا محرومين في مجتمعاتهم من أن يكونوا جزءاً رئيساً في خطط التنمية، فلم يجدوا بيئة تحتويهم سوى محيطهم الخاص الذي صنعوه بأنفسهم لممارسة أنشطتهم وهواياتهم واهتماماتهم.
في أوروبا يعتبر مراهقو "الإيمو" كائنات حساسة وحزينة تشعر بالتهميش والاكتئاب، يُسقطون كل ما لديهم على المجتمع فيعيشون منعزلين عنه في أجواء أشبه بالظلام ويمارسون واقعهم بتجرد من الواقع المحيط.
وعلى المستوى المحليّ، يمثّل الشباب الذين يطلق عليهم لقب "الدرباوية" قمة هذه "الهوة" السحيقة بين الأجيال في المجتمع السعودي، حيث وجدوا أنفسهم مهمشين في ظل طبقات اجتماعية يعتبرونها مخملية، فارتأوا أنهم الجيل المستنسخ عن أجيال قبلهم، من خلال السيارات القديمة والأشكال التي لا تتناسب مع واقع يعجّ بالحضارة الرقمية، رغم أنهم في بداية الأمر ومنتهاه ضمن جيل التقنية، ومثلهم مجموعات شبابية أخرى تصنع واقعها إما بعالم الجريمة، أو الانتماء الديني المتشدد، وتدل كلها على عزلة ما وعدم القدرة على العيش طبيعياً في مجتمع طبيعي ومنتج.
وتلعب الأمية التعليمية سابقاً -والأمية الثقافية لاحقاً- الدور الأبرز في نشوء هذه الهوة، وبالتالي خمول لغة التواصل بالكلمات والأفكار، ولكن لم يعد هذا الأمر مبرراً لأن يستمر نتيجة للتغيرات الإيجابية في المجتمع، ولكي تُردم هذه الهوة يجب أن نفكر بصوت عال أولاً، وندرك أن السلطات الأبوية الممتدة في الثقافة قد جلبت جيلاً -بل أجيالاً- تتملص من السلطة الأبوية لتصنع واقعها الخاص دون سلطة أو قرار أبوي.
وتعتبر استعدادات الكبير للتعلم من الصغير واستعدادات الصغير للتعلم من الكبير أولى الخطوات نحو ردم هذه الهوة، والعمل على إيجاد قنوات مشتركة بين الكبار والصغار تسهم في تقليص هذه الهوة وجعل المجتمع يعيش بعقل الشباب رغم علامات الكهولة.