تجريم الآخر والبحث عن كل ما يؤدي إلى النيل منه بات الوسيلة الأكثر استخداما بين المختلفين محليا، بل إنه تجاوز إلى تجيير المفاهيم العالية القيمة كالوطنية والإسقاط عليها لخدمة تلك المبادئ الدنيئة، لتكون كالسلعة التي يزايد عليها المتخاصمون حد الفجور.
حدث ذلك بعد أن أصبح الفكر مشتتا بعد تمكن بعض أشخاص وجماعات بأفكار منحرفة من فرض سيطرتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التلفزيونية، ليضعف الانتماء وتكثر من الاختلافات والخصومة حد الفجور الطاغي، إلى درجة أن الضغينة والتكاره باتا حاضرين لدينا من جراء أن الوسائل المذكورة أصبحت مكان تفريغ وميدان حروب للنيل من الآخر، لترسخ خلافات أضرت الولاء والعلاقات بين أبناء البلد الواحد.
حدة الاختلاف بلغت لدينا مبلغا خطيرا، حتى إن الكذب والافتراء باتا ظاهرين بين متدين وليبرالي وبين حاملي رايات القبائل، ولم تسلم منه الحوارات الاجتماعية بين الجهات الحكومية ومنتقديها، بل إنه بلغ شأنا كبيرا لدى المنتمين لميادين كرة القدم، من أولئك الذين تجاوزوا حد المعقول في الفجور غير الافتراء وبث ثقافة التباغض، والسبب أن تافهين تصدروا المشهد، ليس لحكمة ورأي يملكونهما، بل لأنهم من فئة لا تحسن ما تقول فيكثر خطؤها، ومن ثم يكثر المتفرجون عليها، والأكيد أن بعض القنوات قد استملحت الأمر في ظل بحثها الدائم عن المشاهد السعودي، ولا بأس لأجل ذلك أن تحضر بعض "أراجوزات" تتسلى بها لإخراج كل العفن الذي بداخلها، فقط تنقلوا بين برامج الرياضة لتدركوا ذلك؟!
لم نطلب خلال هذه السطور من أحد أن يكون وطنيا في كل شيء، ولم نرغب أن نثير غبار الولاء للمعتقد أو الوطن، لكن الأمر أزعجنا حتى بتنا نخجل من الطرح القائم الذي خلط المعاني السامية للولاء والانتماء بكل شيء حتى ضاعت معانيها بين المسوفين وشفاه التافهين، لينقلب الأمر إلى الانسياق خلف الأفكار والمعتقدات والأشخاص، ومن ثم الولاء لها على حساب الأهل والوطن.
قد يقول قائل إن في ذلك مبالغة.. أو إنها من جراء تأثير الأحداث المرعبة التي نشاهدها في دول كثيرة من حولنا، ولن ننفي أنه قد يكون ذلك جزءا من المشكلة، إلا أننا نعترف بأننا أخذنا بالتفرق أطيافا من فرط "سوء دبرة" عرفناها من خلال مناهجنا الدراسية وبرامجنا التلفزيونية، ومن ثم تربيتنا المجتمعية وقبلها المنزلية، لنهضم كثيرا من حقوق الآخرين، ونرسم فيما بيننا عدائية لم نعرفها من قبل، فقد كان جديرا أن يكون غرس مفهوم التحاب والانتماء الشأن التعليمي الأول والرسالة الثقافية الفكرية والإعلامية الأهم.. بحيث إنه لا بأس أن نختلف، لكن في ظل التحاب والتآخي في الوطن ورعاية وتنمية الانتماء الراسخ، وتفعيل كل ما يربط الفرد بأهله ومجتمعه وبلده.
كان من الواجب توظيف تعاليم ديننا الحنيف في حب الوطن أحسن التوظيف، سواء من قبل قادة الرأي، أو مؤسساتنا التعليمية والمجتمعية، وكنا نتمنى أن يتعلم الجميع كيفية ترجيح الأخلاق حين الاختلاف وأن يمارسوا هذه الخلافات بأخلاق الإسلام، لا بالكلمات المسيئة والإسقاط على الوطن، والأشد تمني زوال الآخر!