من أكثر القضايا جدلا حول حقوق الأطفال في الساحة المحلية قضية زواج الصغيرات. سأستخدم هذه القضية هنا لمحاولة اختبار وفهم تفكيرنا ومواقفنا حيال حقوق الطفل. ليكون مثالنا طفلة عمرها سبع سنوات يتقدم لها رجل عمره 70 سنة يريد الزواج منها. لنفكر الآن في عدد من المواقف المحتملة تجاه هذا الأمر. لنبدأ من المواقف المبدئية: لدينا الموقف الرافض من ناحية المبدأ ولدينا الموقف الموافق من ناحية المبدأ. الموقف الرافض من ناحية المبدأ يتخذ هذا الموقف: لا يحق للطفلة الزواج في هذه السن تحت أي ظرف. الموقف الموافق من ناحية المبدأ يقول لا يوجد مانع من ناحية المبدأ يمنع زواج هذه الطفلة. من المهم التذكير أن صاحب الموقف الموافق مبدئيا قد يرفض هذا الزواج ولكن لظروف أخرى غير ظرف الطفولة. من المهم أن نشرح ماذا تعني تلك المواقف قبل الحديث عن مبرراتها: الموقف الرافض من ناحية المبدأ يدعم موقف الطفلة الرافضة للزواج ولكنه أيضا يقف في وجه الطفلة ويحجر عليها لو وافقت على الزواج. بمعنى أن الرفض المبدئي لزواج الطفلة تترتب عليه دعوى أن هذه الإنسانة حتى ولو اختارت لا تملك الحق في اتخاذ هذا القرار. في المقابل الموقف الموافق من ناحية المبدأ قد يوافق على إجبار الطفلة على الزواج حتى لو كانت رافضة تحت دعاوى مختلفة منها أن ولي أمر الطفلة أعلم بمصلحتها. بمعنى أن الإقرار بعدم استحقاق الطفلة لهذا القرار لا يحسم الموقف من هذا الزواج. رأينا هنا موقفين متناقضين من زواج الطفلة ينطلقان من ذات المبدأ وهو أن هذه الطفلة لا تملك الكلمة الأخيرة والحاسمة في مثل هذا القرار.
الآن لنفكر في المبررات الداعمة لتلك المواقف. الموقف الرافض من ناحية المبدأ قد ينطلق من عدة مبررات منها: الطفلة قاصرة ولا تملك حق القرار في مثل هذه القضية. مبرر آخر: هذا العقد (عقد الزواج) غير عادل ولا يمكن أن يكون عادلا إلا إذا كانت الفتاة في ظروف حقيقية تسمح لها باتخاذ قرار حاسم وهذا مالا يمكن أن يتوفر لطفلة عمرها سبع سنوات. مبرر ثالث قد يذهب للقول بأن زواج الطفلة في هذا العمر ليس في صالحها. هذا القول قد يعتمد على مقولات طبية أو نفسية أو اجتماعية ضد هذا الزواج. أصحاب هذا الموقف قد يخففون من دعواهم في مصادرة امتلاك هذه الطفلة حق قرار مصيرها بأنه قرار موقت. بمعنى أنه لا يصادر حق هذه الإنسانة بالكامل بل يصادره الآن فقط لظروف محددة ثم يعود لها استحقاقها الكامل. هذا القرار، يجادل أصحاب هذا الموقف، شبيه بمنع الشخص من قيادة السيارة حتى يحصل على رخصة القيادة. منعه هنا من القيادة موقت وليس نهائيا. هذه مبررات مختلفة لموقف واحد وهو منع زواج هذه الطفلة. هذا الموقف يعني عدم استحقاق أي إنسان بما فيهم الطفلة نفسها لإبرام عقد الزوجية.
الطرف الموافق من ناحية المبدأ يمكن أن يبرر موقفه من عدة جهات منها: أهل الطفلة أعلم بمصلحتها وإذا تمت موافقتهم فإنه لا يحق لأحد الاعتراض عليهم. مبرر آخر وهو أن الطفلة هي صاحبة القرار ولا يوجد مبرر مقبول يبرر سلب هذا الحق منها. هناك أيضا مبرر لا أخلاقي بمعنى أنه غير مشغول بعدالة القضية بقدر ما يدعها لقرار الثقافة والمجتمع الذي تمت فيه القضية. بمعنى أن يقول إذا كان زواج الطفلة مقبولا في مجتمع معين فلا اعتراض عليه بغض النظر عن عدالة هذا العقد. بمعنى أن هذه التبريرات تحيل إما إلى الطفلة نفسها أو إلى أسرتها أو إلى المجتمع. المبرر الأقوى محليا على الأقل هو المبرر الديني بمعنى القول إن زواج الطفلة مقبول لأن الدين قبله.
هذه المواقف والمبررات يفترض أن تحفز التفكير في قضية حقوق الأطفال بشكل معمّق. كثير من الرافضين لزواج الطفلات - وأنا منهم - يشعرون بعدم عدالة هذا العقد. استغلال الطفولة لأغراض مالية أو اجتماعية أمر واضح خلف هذه العقود. بمعنى أن هذا الزواج يصبح علامة على الظلم الاجتماعي والقمع والاستغلال. لكن هذا الموقف يفترض أن يدفعنا باتجاه تحرير الموقف الدقيق من حقوق الأطفال وما هي المبررات التي يمكن أن تبرر لنا سلب إنسان معين من حق قرار مصيره. هل العمر بحد ذاته هو العامل الحاسم؟ أم الخبرة والتجربة في الحياة؟ تحرير الموقف هنا يفترض أن يساعدنا على تكوين صورة أوضح تجاه قضايا أخرى كالتعليم والقرارات الصحية والقرارات التجارية. في الاتجاه المقابل هذا النقاش يسعى لدعوة الموافقين على مثل هذا الزواج للتفكير في هذه القضية من منظور حقوقي والتفكير في المعادلة التي يفترض أن توازن حق الطفل مع حق الوالدين مع الحقوق الاجتماعية.
بعبارة أخرى هذا الاستعراض للمواقف في هذه القضية يسعى لربط التفكير في قضية واحدة بالآثار التي تترتب على باقي القضايا في الإطارذاته. القانون المتناقض يعيق الحركة لأنه يسمح بحركتين في اتجاهين متناقضين. القوانين المتناقضة بشأن حقوق الأطفال تعني جعل هذه الحقوق عرضة لتقلبات المزاج ومفاوضات القوى داخل المجتمع. هذه حالة متوترة وخطيرة على نمو وسعادة الأطفال. المهم هنا هو ربط القرارات التي نتبناها بآثارها على الواقع. هذه الحسبة جوهرية للتفكير الأخلاقي والتشريعي. أخطر تفكير على الحقوق هو أن نتخذ المواقف بغض النظر عن أثر تلك المواقف على الواقع مما يجعل التشريق مفارقا لكونه في خدمة الإنسان ليتحول لخدمة أغراض أخرى.