من أعذب اللقاءات المرئية "رغم قلتها" مع مسؤول عن التنمية والتحولات الحضارية والخطط المستقبلية والعمومية، والتي تستهدف الإنسان ورفاهيته، أصغيت إلى لقاء آسر مع الأمير مشاري بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة الباحة، كنت قد أثثت في مخزون ذاكرتي صوراً حية ممعنة في التقدير والاحترام لهذه الشخصية، من خلال مشاهد ومتعلقات وتوصيفات ومضامين بنائية لسموه، وما يعتمل في وعيه من مساجلات وتجليات ووضوح لمراميه ومستقبلياته، وكان أقربها اصطفائية إلى نفسي احتفاءه بالقراءة المثمرة، وما تشكله في جانبها الوظيفي من تعاليات ومقاربات معرفية فاعلة، فلا يتلبسك الذهول وأنت تشاهده في لقطة صحفية يزور مكتبة عامة، دون أن يسترعي انتباه روادها، بحثاً عن المتعة وانحيازاً للتبصر والثقافة ومطارحة الفكر، والانتصار لجوهر الوعي وجمالياته، في ذلك اللقاء المرئي أبصرت سموه يقود مركبته بصحبة إعلامي مشاكس، حاول استفزاز سموه بأسئلة ماكرة، إلا أنه لم يفلح فالأمير يتكئ على خبرة إدارية ضخمة، تفصح عن شفافية استثنائية فائقة، فلم يعمد إلى المباهاة المتعاظمة في استقراء المنجز، ولم يوارب أو يخف علل التنمية في منطقته، بل طرح أسئلة حادة كالنصل كقوله: لماذا لا تملك الباحة شاطئاً بحرياً نغسل همومنا ونشعل أفراحنا على شطآنه نهاية كل أسبوع؟ إلى متى والباحة منطقة عبور وممر بين الطائف وعسير؟ ولذا أقول لسموه: أنتم لم تسحموا بعبور الرافعة الثقافية، واستوليتم عليها حين حولتم هذه القمم الخضر، والسفوح اليانعة والفضاءات المديدة والرحبة، إلى أعراس ومشاعل تسيج دياركم بالشعر والعطر والمصابيح، أنتم لم تسمحوا بعبور سلسبيل الحكايات والسرديات التي تفيض فوق حصونكم كمزاريب المطر، لتخصب في الباحة عروش ندى وأرغفة أحلام ومرافئ ضوء. ها هي الباحة تضئ لياليها أوردة الوطن، وتورق صباحاتها بأجنحة الشعر وقبائل الشعراء، وهم يفدون إليها كأسراب الغيوم. ها هي الباحة تغسل زجاج نوافذها بالبوح الطروب، وأطياف القصائد المجللة بالبياض. ها هو جسدها ينضح بأباريق الكلمات المشتهاة، وهديل المداد اليقظ ويشف عن حنايا وخواطر أهلها الضاجة بالإباء والكرم وتراحيب المطر، فنخبة مثقفيها لا يعترفون بمواسم النوم، ولا يتساقون أكواب الفرجة البليدة والمترهلة، حولوا ناديهم الأدبي إلى ساحات مشمسة من الدهشة، وحناجر تتوقد بأبكار النجوم الناصعة، أشعلوا فتائل عشقهم على أديم هذه الجبال الفاتنة، ليدونوا على ذاكرة أشجارها وأملس أحجارها قدرتهم على صنع ثقافة تليق بالوطن وأهله، ستبقى "الباحة" ملح الأدب وحديقة الشعر وصحو المرايا.