أثبتت لنا الأيام الأخيرة بما حفلت به من صراعات وممانعات أن الحيز المكاني الذي تشغله المرأة وظرفه "أمام" أم "خلف"، و"داخل" أم "خارج" هو الفيصل في قضية عمل المرأة في الأسواق كبائعة أو كاشيرة؛ وأخيرا كحارسة أمن! فحسب تحقيق نشرته صحيفة "الرياض" الثلاثاء الماضي فإن ذات النظام الذي لم يفتح الباب بعد للمرأة لبيع المستلزمات النسائية لبنات جنسها؛ هو نفسه الذي يسمح لهن بالعمل حارسات أمن في بعض المجمعات التجارية الجديدة، حيث تلاحظ فتيات بزي موحد يراقبن كل شاردة وواردة في معارض تبيع ملابس الرجال والنساء والأطفال والأدوات المنزلية والألعاب وزبائنها من الجنسين! وذات العقلية التي لا ترى بأسا في رجل "داخل" محل تجاري وامرأة تقف "أمام" الرجل، ليتحدث معها في أدق خصوصياتها مقترحا عليها المقاسات والموديلات، يرفض تواجد المرأة "داخل" ذات المحل التجاري بائعة "أمام" زبونات من بنات جنسها! مما يجعل نسبة الباعة السعوديين الفارين من هذا الحرج في محلات بيع المستلزمات النسائية 98%!

فالعبرة ليست في الفعل نفسه، بل في موقع المرأة هل هو "أمام" آلة الكاشير أم "خلفها"، "داخل" السوق أم "خارجه"، "داخل" المحل التجاري بائعة، أم "أمام" الزبائن حارسة أمن؟! ليتحول ذات الفعل في ذات المشهد بذات الشخوص إلى فعل مرفوض وموصوم بالفساد والإفساد حينما يتغير ظرف المكان وحيزه! ففي تعامل الرجل مع امرأة "خلف" آلة الكاشير اختلاط موصوم بكل أنواع الرذائل، وليبرأ جانبه من الجريمة بتغير ظرف المكان! "أمام" آلة الكاشير لا وجود ولا حضور للاختلاط، وليس هناك شبهة التحدث مع رجل أجنبي، ولا منازل ستخرب أو أسر ستتفكك! بينما "خلف" آلة الكاشير يكمن الشيطان وحبائله الملتفة على أعناق الرجال المساكين العاجزين عن صد هجوم الإناث الكاشيرات! وفي مشهد آخر لا ضرر من امرأة تفترش الطريق "خارج" السوق في وعثاء الرصيف وشعث الشارع؛ وفي مرمى من هب ودب من متسكعي الطريق، بينما الشر كله يتجسد "داخل" أمن السوق و"بين" أمان جدران محل تجاري مكيف يحميها من قيظ الحر أو برد الشتاء! وفي مشهد ثالث لا ضرر أيضا من امرأة تقف "داخل" سوق شعبي لتبيع الزبائن رجالا ونساءً، بينما الشر المستطير والوباء المستفحل يكمن في عملها بائعة "داخل" سوق تجاري حديث، ليتغير حكم "داخل" هنا تبعا لطبيعة السوق ففي الشعبي مسموح وفي الحديث مرفوض!

وسلسلة المتناقضات والمفارقات الممهورة بختم خصوصيتنا لا ترحم أيضا الشباب، ليصبح وجود البائع الشاب العازب "داخل" المحل مسموحا ومقبولا، وليصبح وجوده هو نفسه وبذات الصفات "خارج" المحل وفي السوق مشتريا أحد الممنوعات!

الحل الجامع المانع لتناقضاتنا العجائبية وفوبيا المرأة هو في قرارات حكومية ملزمة تقطع دابر الممانعات، وتفتح أبواب عمل جديدة للنساء في القطاعات الحكومية والمؤسسات الخاصة مساهمة في الحد من بطالة المرأة؛ وصولا إلى تطبيع العلاقات بين الجنسين لتحتكم إلى الإنسانية أولا وأخيرا.