تناقلت الأساطير الشعبية المحلية الكثير من القصص حول مدى القدرة الهائلة التي لدى أبناء بعض المدن على الحسد. فسطرت القصص ورددها الناس كلما حدث موقف أو حلت مصيبة بأحدهم، وذلك في تبرير يحمل في ثناياه تهكما ممزوجا وصورة ذهنية سلبية عن هؤلاء الذين بإمكانهم أن يؤثروا بقدرتهم الدفينة على تبدل الظروف وتغير الأحوال.
في المقابل فإن الشماتة هي صفة متأصلة في العديد من أبناء الوطن، وهو ما تناقلته كذلك الأساطير الشعبية ذاتها من خلال القصص والرويات والأقوال والأمثال التي تؤكد أن هذه الصفة مغروسة لدى الكثير ممن ابتلاهم الله في نفوسهم بهذا المرض العضال، فتجده يشمت من معاق أو من مبتلى أو من حزين، كل ذلك ليشعر هو بأنه أفضل وأنه قد حقق إنجازا بتعثر الغير!
مثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن لنا أن ننظر لهم إلا بنظرة الإشفاق والحزن، فكيف لنا أن نتخيل أنفسنا نفرح بابتلاء الغير؟! وكيف يمكن لأنفسنا أن تكون طاهرة ونحن نشمت وننظر بتعال وفرح ونحن نرى غيرنا يحزن من مصيبته أو من إعاقته أو من حاله الذي كما يقال لا يفرح عدوا ولا صديقا.
فتجد الفتاة تشمت من تردي حال زواج صديقتها وتجد الموظف يفرح كلما عوقب زميله في العمل، في وقت نجد أن الشماتة في الوسط الرياضي وصلت لمستوى من السرطان تحول فيه التنافس إلى حرب نفسية وكلامية وحتى فكرية لا يمكن للإنسان العاقل أن يجد لها تبريرا مقبولا أو سببا مقنعا.
التعصب الرياضي موجود في كل مكان، كما هو التعصب الفكري والاجتماعي، إلا أن الفرق بين التعاطي المحلي وتعاطي الدول التي سبقتنا حضاريا ماثل للعيان، فإن كان هناك تنافس مريض لديهم فإنه منبوذ ومحارب، لا كما هو الحال لدينا يغذى بشكل جعل منه الحالة الطبيعية!
ما يحزنني كثيرا هو أننا نتقدم في كل مناحي التنمية العمرانية ولكننا لا زلنا نفتقر للعديد من مواصفات المجتمعات النامية حضاريا، فالتشفي والحقد والحسد كلها أوجه لعقلية إقصائية لم تستوعب بعد فكرة المشاركة والتعاون والتنافس الشريف.
أمراض النفس البشرية لا تبني الأمم، وحال الاصطفاف الإقصائي هذا يجب أن يزول إن كنا نريد أن نكون مجتمعا متحضرا.