نفذت إيران مؤخراً حكم الإعدام بحق مصممة الديكور الفتاة الإيرانية "ريحانة جباري" التي التفّ حبل المشنقة حول رقبتها في أوج ربيع عمرها، بعد سجنٍ دام أكثر من سبع سنوات بتهمة قتل الموظف السابق في وزارة الاستخبارات مرتضى سربندي، الذي ادّعت أنه حاول اغتصابها بعد أن خدعها بأنه يريد منها تجهيز ديكور مكتبه واقتادها إلى شقة فارغة، حيث وقعت الحادثة حين كانت الفتاة في التاسعة عشرة من عمرها.

هيئة القضاء في المحكمة الإيرانية اعتبرت أن ريحانة مجرمة وتستحق الموت، وربما لم تنظر ملياً في المسوغات والدفوعات التي قدمتها المتهمة بل اعتبرتها غير كافية، رافضة بذلك مائتي توقيع قدمتها منظمة العفو الدولية، مدعية أن الأمر يتعلق أولاً وأخيراً بعفو ذوي القتيل عن المتهمة.

لفتت هذه القضية اهتمام الرأي العام العالمي، وأصبحت مدار النقاش والتناول في وسائل الإعلام والهيئات الحقوقية والإنسانية في العالم، ورغم التعاطف الدولي الذي أعلنته منظمة العفو الدولية بعد ورود أكثر من 200 توقيع إليها من المنظمات والهيئات والمنظمات والأفراد تطالب بتخفيف الحكم عن المتهمة وصرف النظر عن الملامح والأجندة السياسية المتعلقة بها، ورغم محاولة الحكومة الإيرانية إبداء اهتمامها بهذا الأمر من خلال تأجيل حكم الإعدام، وإبراز القضية كأمر شخصي يختص بحرية ذوي القتيل بالعفو عن المتهمة؛ إلا أن حكم الإعدام نفذ على أي حال داخل أحد سجون مدينة "كراج" غرب إيران.

دافعت إيران عن تنفيذها حكم الإعدام بحق المتهمة عبر الدكتور محمد جواد لاريجاني الأمين العام للمجلس الأعلى لحقوق الإنسان في إيران من خلال جلسة نقاش استمرت ثلاث ساعات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ألقى فيها باللائمة على وسائل الإعلام الغربية معتبراً أن الحملة التي أطلقتها وسائل الإعلام الغربية تسببت في رفض ابن القتيل العفو عن ريحانة جباري المتهمة بقتل والده!

إلا أن خيوط هذه القضية ما تزال غامضة وإنْ لم تُظهر المحكمة الإيرانية أي إشارات على أنها قضيةٌ سياسية -كونها متعلقة بموظف استخبارات- ولا لمبررات قومية لكون جذور المتهمة تعود لعرب الأحواز، على الرغم من أن هذه العوامل -فيما أعتقد- لم تكن ذات أهمية أو مرتكز حقوقي وقانوني بالنسبة للمنظمات الدولية التي طالبت بتخفيف الحكم عن فتاة ارتكبت جريمة قتل حين كانت في التاسعة عشرة من عمرها دفاعاً عن نفسها، ولولا شعور هذه المنظمات بظلم وإجحاف وقع على الضحية لما دافعت عنها وطالبت بحقها في رد التهمة.

أما اليوم وقد انتهى الأمر، فما زالت الحكومة الإيرانية تدافع عن نفسها أمام مجلس حقوق الإنسان بمسوغات واهية، يُستغرب أن مسوغها هو أحد علماء الرياضيات وأحد المنظرين المعاصرين لمشروع الثورة الخمينية!

يعتقد الأفراد والمنظمات الحقوقية في العالم اليوم أن قضية الفتاة ريحانة جباري صارت شمعة في مهب الريح نتيجة خنجر ذي حدين، سياسي وقومي؛ ولهذا أخذت أبعاد القضية تزداد بعداً وتعقيداً وغموضاً أكثر من كونها قضية جنائية، ليتحوّل الأمر برمته إلى قضية سياسية دولية تظهر تعنت حكومة إيران فيما يتعلق بإصلاح أوضاع حقوق الإنسان لديها، من خلال عدم سعيها لتخفيف الحكم في القضية، خاصة أن دفوعات المتهمة تشير إلى أنها قضية دفاع عن النفس والعرض والشرف، وهذا ما كشفته وسائل الإعلام العالمية في رسالة منسوبة للضحية كتبتها لوالدتها قبيل إعدامها، ولم تنف الحكومة الإيرانية صحتها حتى الآن.

وفي ظل تزايد الإعدامات التي لا تتسم بسلامة المسوغات وفق المساواة، بل توحي بأنها تحمل اضطهاداً للأقليات بشكل عام، ومنها التمييز العرقي والطائفي، وقمع حريات المنتمين للطوائف والأديان الأخرى؛ فمن هنا نستنتج أن هذه القضية وغيرها قد أضعفت مبررات الحكومة الإيرانية في ادعائها الإصلاح؛ مما يضع دوائر الضوء حول مطالباتها بحرية التعبير كذريعة للتدخل في شؤون دول أو دعم أخرى وفق المبررات نفسها!