تغريدة قرأتها استفزتني جداً، ومن الطبيعي أن تستفزني لأنها تتعلق بشأن خاص لشعب وطني، وكانت إحدى المغردات المهتمات بالشأن الفلسطيني، قد كتبت تغريدة تصف الصورة التي تم التقاطها لعدد من مشجعي نادي الهلال "الزعيم"، وهم يتسلقون أسوار ملعب الملك فهد الرياضي، وقالت "لا تقلق! جماهير عربية لا تتسلق أسوار القدس بل ملعب كرة قدم"! لا أعرف لماذا الربط بين عشق مشجعين لناديهم، وجمهرتهم ورغبتهم الكبيرة في الوجود لتشجيع ناديهم مع القضية الفلسطينية! وكأننا كشعوب عربية لم نقف يوماً مع القضية، وربما ذهب عن ذهن المهتمة بالشؤون الفلسطينية أننا كدولة وكحكومة وشعب أعطينا القضية الفلسطينية أكثر مما أعطاه باقي الشعوب كلها، إذاً لماذا هذا الإسقاط غير المنطقي في العبث مع مشجعين شباب من دولة تحترم سيادة وقضية الدولة الفلسطينية، ولا تزال ترغب في رصف السلام دون بعثرة؟
لقد شعرت بسواد عظيم وكبير من الحروف التي كتبت. هناك ثمة حساسية مفرطة تواجهنا أحياناً من بعض الدول فيما نقوم به نحن كشعب سعودي له خصوصيته وشخصيته وكيانه، إما في البحث الدائم عن عثراتنا، أو نصب الفخاخ الإعلامي بشكل فاجر لكل ما يمت لوطني بصلة، ومحاولة تضخيم أمور شخصية للدولة، والتدخل بها من قبل بعض أفراد الشعوب الأخرى. نحن كسعوديين نمتلك قدرة كبيرة وعجيبة في الارتباط بالحياة، رغم كل ما يصيبنا من اتهامات داخل الرماد، فلدينا الاستطاعة المثالية أحياناً في أن نردم كل الفجوات والشقوق، ونعيد اكتشاف معرفتنا بكل تفاصيلها، ونحولها إلى نجاح وحياة جديدة مختلفة، وربما الذي يجهله الكثيرون، أن السعودية تتصدر كدولة عربية أعلى نسبة من المبدعين والمخترعين من الشباب خاصة.. إذاً ما دخل حب وعشق المشجعين لناديهم بفتح أسوار القدس؟!
ولكني لا ألوم هذه السيدة على ما كتبته، نظراً لما شاهدته من بعض مشجعي الأندية الكروية السعودية الأخرى، فما أن أخفق نادي الهلال في المباراة التي أقيمت مساء السبت الماضي ضد فريق سيدني في كسب كأس آسيا، إلا وظهرت الوجوه القبيحة، والألفاظ البذيئة، ومحاولة حرق النجاح بكل الطرق الممكنة، متناسين أن وصول ناد سعودي كبير له مكانته وجمهوره إلى هذه المرحلة المتقدمة، يفترض علينا كشعب يعشق الكرة ويعتبرها الرياضة الأكثر شعبية في وطنه، أن يتحول الشعب كله إلى مصفق وداعم حقيقي لنادي الهلال، لا أن يظل يطلق النكات والإساءة لنادٍ عريق يمثل صورتنا جميعاً، لقد استغربت جداً لدرجة الوجع، من الأبجدية القاصرة التي تلفظ بها بعض مشجعي الفرق الأخرى، من خسارة الهلال، وكأنه ثأر قديم وقد حان موعد تصفيته، لذا، فلا بأس من النيل من المدرب واللاعبين والمشجعين، وكل ما يمت لهذا النادي بصلة.
لم أكن أفهم مطلقاً ماذا يعني "التعصب الكروي"، حتى كتبت تغريدة تساءلت فيها عن حقيقة طلب نادي الهلال الدعم من قبل مشجعي الكرة، فانهالت علي التعليقات السيئة من محبي النادي بشكل لا يمكن لي أن أتصوره، حتى أنه تبادر إلى ذهني: هل سؤالي كان في محله أم أنني حركت الطاولة، فأزعجت من لا يريد رؤية الحقيقة الصائبة، وماذا يعني لو أن الفريق طلب الدعم؟ هل هناك ثمة خطأ في ذلك؟ وبدلاً من توضيح الرأي بشكل طبيعي وسليم، تهافت علي البعض سواءً من شباب أو فتيات بالرد الذي يجعلك تكره أن تتكلم في أي شأن كروي، فالنصراوية "يطقطون"، والهلاليون يخبرونني أن المطبخ هو المكان الوحيد الذي أفهم فيه، وأثناء عرض المباراة كنت في إحدى العواصم الأوروبية، وقد شعرت بالفرح يغمرني، وبعض المقاهي قد أشرعت أبوابها لمحبي الكرة لمتابعة المباراة، وقد كان هناك عدد مختلف من الجنسيات العربية، الذين كانوا يهتفون لنادي الهلال من قلبهم دون ضغينة، كما يفعل البعض في وطني، إذاً، لماذا يكون هؤلاء أكثر ولاءً منا للكرة العربية – السعودية؟ لماذا لم يحاولوا تجاهل المباراة أو حتى الفرجة عليها دون أي صراخ أو حماسة؟ لأنهم في حقيقة الأمر كانوا فخورين أكثر من بعضنا، بأن نادي الهلال هو النادي العربي الوحيد المشارك في البطولة.
ولنعود إلى الصورة التي أثارت ضغينة السيدة الفلسطينية، وأنا أجدها صورة جميلة ومعبرة للغاية، وهي تدل على مدى حب الشباب لناديهم ورغبتهم الكبيرة والشديدة في دعمه في بطولة عالمية ودولية، وأنا أعتقد أن هذا هو واجب المشجعين، إذا كانوا بالفعل يدينون بالولاء لناديهم، ونحن نرى عبر مختلف الإعلام المرئي والمقروء، كيف أن هناك شبابا في أوروبا يتسلقون الجدران فقط لحضور حفلة لأحد مطربيهم المفضلين، هكذا هم الشباب حماسة وطاقة كبيرة لا متخيلة، وشعور عميق تجاه ما يفضلونه ويشجعونه، إذاً فلماذا العتب والمسخرة عليهم بما لا يليق بهم؟!
للعلم أنا لا أفهم بالكرة ولا أشجع أي ناد، لكني أعترف أنني قد استأت من التعصب الرياضي المظلم دون قاع في وطني.. "بالهون عليكم يا شباب".. إنها كرة والأجمل فيها أن تكون وطنيا قبل كل شيء!