لكل كاتب نقرأ له لحظة بداية. الكتابة لا تأتينا بل نحن من نذهب إليها، لاعب كرة القدم كمثال لا يستطيع أن يصبح نجماً في عالم الكرة ما لم يتدرب كل يوم وبجدية وقسوة وتحد، الكتابة كذلك، لتصبح كاتباً ينبغي أن تصبح زنبركا يتأقلم مع كل الظروف، أن تصبح نابضا ذاتي الحركة والدفع، أن تتحدى من أجل الكتابة كل شيء.. الارتباطات العائلية، العمل الرسمي، والحياة. الكاتب الياباني هاروكي موراكامي لم يكتب بمحض الصدفة، بل كانت نتاج سنين من الاستعداد حتى أتت اللحظة التي تشبه الانفجار، اللحظة التي انسحب فيها من مدرجات أحد الملاعب التي تقام عليها مباراة لفريقه المفضل وهو برفقة زوجته، وذهب لكتابة أول رواياته التي باع منها في اليابان فقط أكثر من مليوني نسخة، من أجل روايته الأولى تحدى علاقته بزوجته ومسؤولياته تجاه البار الذي يملكه، والحياة.
كل كاتب نقرأ له لديه قصة مثيرة جعلته يصبح كاتباً، ولديه تحد شخصي لأن يكتب ويكتب حتى يصنع الحياة التي يريدها، أن يشاهد كل شيء كما يحب لا كما هو في الواقع. عندما سألت ليلى المطوع لماذا تكتبين؟ قالت: "أكتب لأن قلبي ليس للبيع، كنت أختبئ في الليل مع رواية (أنف وثلاثة عيون) لإحسان عبدالقدوس ويدهشني كيف لرجل أن يتمكن من وصف المرأة وحالتها، أتقن في روايته تقمص حالة المرأة، وحينها قررت أن أكتب عن المرأة التي أريد، المرأة التي لا تبيع قلبها من أجل رجل لا يستحقها، استفزتني دموع صديقتي التي ذرفتها حزنا على نفسها إثر إهانتها من قبل الرجل الذي أسكنته قلبها، ورغم ذلك وجدتها تصر على استمرار العلاقة معه مما جعلني أشعر بالغضب فكتبت روايتي الأولى (قلبي ليس للبيع) وهي رواية تحمل رسالة لكل علاقة لا تحمل بين ثناياها الاحترام".
تكتب ليلى كل يوم لأنها تريد للمرأة الحياة التي تليق بها، ويستفزها الضعف السلبي في أي علاقة كانت ولذلك تنتصر بقلمها من أجل أن تكون كل علاقة بين اثنين مبنية على الاحترام قبل الحب.
الكاتب ثامر شاكر يقول لي: "كان بوسعي أن أعيش الحياة التي أريدها في أي دولة تناسبني المعيشة فيها ولكن قررت أن أعود لوطني.. أن أبنيه ولو بقلمي، أن أكتب كل يوم من أجله، وابتسم حينما سألته عن بداياته وقال دفعت الكثير من أجل بداياتي، كدت أن أنسى أمر الكتابة وأهجرها حينما رفض أحد الكتاب المشهورين أن يكتب لي مقدمة كتابي الأول "سقط عمداً" بحجة أن مستوى الكتاب لا يليق لأن يضع اسمه في مقدمته، ولم أكد أتجاوز صفعتي منه حتى وجدت دار النشر تشترط لموافقتها على نشر الكتاب عدم وضع اسمها عليه، وكنت حينها محبطاً للغاية وكدت أن أهجر عالم الكتابة، ولكن قررت أن أتعامل مع الكتاب وكأنه طفلي الصغير، أن أقبله بكل عيوبه أن أحبه فقط لأني صنعته بيدي وقررت نشره كما هو دون التفاتة لكل الإحباطات التي واجهتها، وافقت وتنازلت إيماناً مني بأن البدايات تستحق الثمن الذي ندفعه من أجلها، وأن الخسائر التي نرضى بها ثمناً للفرصة الأولى ستعود علينا بالكثير من الأرباح".
صدر لثامر الآن أكثر من خمسة كتب آخرها طبع على غلافه اسم دار نشر هي الأكثر وجودا في معارض الكتب بالعالم العربي والأكثر توزيعاً، ولم نكن سنرى إبداعات ثامر وكتاباته لو لم يتحد الإحباطات التي واجهها في بداياته الصغيرة.
رغم أن معظم الكتاب كانت الصعوبة لديهم في البدايات إلا أن أكثر التحديات التي تعيق الكاتب في عالمنا العربي هي مسألة التفرغ، لا يوجد لدينا كاتب عربي متفرغ، حتى الكاتب فهد الأحمدي الذي يتباهى بيننا بأنه كاتب متفرغ للكتابة في صحيفة الرياض وغير مرتبط بعمل رسمي هو أيضاً لديه أطفاله وزوجته الطبيبة ومسؤولياته الاجتماعية ولا يعني أنه غير مرتبط بعمل آخر أنه كاتب متفرغ، كلنا ننتهز الفرص من زحام الحياة من أجل الكتابة، جميعنا ندعي أن لنا صومعة نتعبد فيها بالكتابة ولكنها صومعة وهمية تصلنا إليها كل ملهيات الحياة وتخرجنا منها قسراً ونتحدى من أجل البقاء فيها لأطول وقت. الكثير لا يكتب متعذراً بضيق الوقت، يؤجل القصائد والمقالات والروايات من أجل أن ينهي أعماله التي لن تنتهي ولذلك أقولها لهم ما قاله تشارلز بكاوسكي:
"لا يا عزيزي، إن كنت تريد الكتابة ستكتب، حتى لو عملت 16 ساعة يوميا في منجم ستكتب.. حتى لو كان لديك 3 أطفال وتحت الإعانة الحكومية".