نشرت مجلة "المراقبة" الصادرة عن ديوان المراقبة العامة في عددها (30) مقالة بعنوان "دروس مستفادة من تقارير الديوان السنوية"، والتي تضمنت عدد (18) درساً مستفاداً من التقارير السنوية.
ومن أهم هذه الدروس الواردة في المقالة السابقة: أن هذه التقارير أعدت بأسلوب مهني متقدم وبلغة سهلة يفهمها جميع القراء، وتحتوي على كم هائل من المخالفات والتجاوزات المكتشفة في الجهات الحكومية وأسباب وقوعها والآثار المترتبة عليها، كما تشتمل على أساليب مختلفة في التحليل والمقارنة تفيد المراقبين ومتخذي القرارات، واستخدام العينات الإحصائية في المراجعة والتدقيق، بالإضافة إلى تحديد المردود الإيجابي من عمليات المراجعة خلال كل سنة مالية.
كما تضمنت المقالة أيضاً ما نصه: "تعتبر البيانات والمعلومات التي تشتمل عليها تقارير الديوان مرجعاً مفيداً للمراجعين والمشرفين وجميع المهتمين بمهنة المراجعة الحكومية خاصة والمراجعة بشكل عام"! وهنا أتساءل: كيف تكون تقارير الديوان مرجعاً للمهتمين بالمهنة، في الوقت الذي تعتبر فيه هذه التقارير سرية حتى على المراجعين أنفسهم في الديوان؟!
فالديوان يلتزم حرفياً بالمادة (14) من نظامه الصادر عام 1391، والتي تنص على أن "يلتزم الديوان باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة التامة على أسرار الجهات التي يقوم بمراقبتها"، وكذلك الفقرة (هـ) من المادة (12) من نظام الخدمة المدنية، والتي تنص على: "يحظر على الموظف إفشاء الأسرار التي يطلع عليها بحكم وظيفته ولو بعد تركه للخدمة".
فإذا كانت تقارير الديوان السنوية سرية، فأين هي الدروس المستفادة منها؟ فكيف يستطيع الدارسون والباحثون والمهتمون بمهنة المراجعة دراستها وتحليلها، والاستفادة منها في شتى المجالات المالية والإدارية والرقابية؟ وكيف يستفيد المراجعون والمراقبون من هذه التقارير في الخروج برؤية واضحة تحدد مسارات المراجعة والمساءلة وخاصة عند إعداد الخطط الاستراتيجية والتنفيذية للمهام الرقابية؟
قد يقول قائل هنا إن "التقارير السنوية للديوان يتم عرضها على مجلس الشورى، الذي يضم مختصين وخبراء في شتى المجالات (الاقتصادية، المحاسبية، المالية والإدارية)، وبالتالي تفيد هذه التقارير عند مناقشة الجهات الحكومية وكذلك عند مناقشة الأنظمة والتشريعات".
وأقول: من خلال متابعتي لمناقشات مجلس الشورى لتقارير الديوان السنوية، يتضح أن ما يتم مناقشته هو ملخص تنفيذي لإنجازات الديوان والمعوقات التي يواجهها، ولا يتطرق إلى التفاصيل، والدليل على ذلك كثرة أسئلة واستفسارات الأعضاء والتي من أهمها أسباب تكرار الملاحظات، وعدم وضوحها، وبالتالي فإن التقرير المقدم للمجلس عبارة عن تقرير سنوي لأي جهة حكومية أخرى، يتم فيه تضخيم المنجزات وطلب المزيد من الاعتمادات والمخصصات المالية، وليس تقريراً رقابياً بالمفهوم المهني المتعارف عليه.
ومهما كان شكل التقارير الرقابية المعروضة على مجلس الشورى، فإن هناك ملاحظات ومحددات على التقارير السنوية للرقابة بشكل عام، وهذه المحددات هي نتائج دراسات وأبحاث قدمت في هذا المجال، فحسب الدروس المستفادة في المقالة السابقة، فإنها في الحقيقة دروس نظرية لا تطابق الواقع.
فالقول بأن التقارير أعدت بأسلوب مهني غير دقيق، فعند مقارنة ذلك بالتقارير للأجهزة الرقابية الأخرى في الدول المتقدمة، والتي تعتمد على معايير المراجعة نجد أنها واضحة في كيفية تحديد عملها الرقابي بجميع جوانبه، وتطوير الإدارة المالية للدولة، وكيفية ترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين الخدمات الحكومية، بالإضافة إلى كشف الهدر المالي والغش والفساد وسوء الإدارة.. هذا من جانب.
ومن جانب آخر، فإن منهج المراجعة المالية التي يتبناها الديوان هي مراجعة مستندية ولا يتم تطبيق معايير المراجعة على إجراءاتها التقليدية، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك تقارير مهنية، فالمهنية تعني الالتزام بتطبيق المعايير أولاً.
أما القول باستخدام العينات الإحصائية في عمليات المراجعة، فهذا فقط يتعلق بالمستندات المالية، والهدف من العينات في الأساس هو الحكم والتعميم على مجتمع ما، والتدقيق المستندي المعمول به تقليدياً يتم فيه الحكم على المستند نفسه من حيث مطابقته الشكلية للأنظمة والتعليمات فقط، وبالتالي لا يستطيع الديوان الحكم على جهة حكومية ما بأنها تلتزم أم لا بالأنظمة والتعليمات المالية النافذة، ناهيك عن عدم تقييم أنظمة الرقابة الداخلية على الإيرادات والمصروفات الحكومية، وعليه لا نستطيع تصنيف الملاحظات والمخالفات ومعرفة أسبابها الحقيقية.
أما فيما يتعلق بالمقارنات والتحليلات للحسابات الختامية فهي أيضاً شكلية وباعتراف ديوان المراقبة بهذه الحقيقة، وهي لا تحدد الاتجاهات المالية والإدارية التي تسبب مشكلات للدولة.. فأين هي الدروس المستفادة من هذه التحليلات والمقارنات؟
تقدم الجهات الحكومية للديوان تقارير مالية وبيانات حسابية، لا يخلو بعضها من كثير من ألوان التحايل والتلاعب تحت كل المظلات المستندية الورقية المشروعة، من فواتير معتمدة، وأوامر صرف موقعة وغيرها، وهناك الكثير من التبديد للمال العام من خلال هذه البيانات، التي يتم رصدها وجمعها ومراجعتها أيضاً، وبالتالي تكون المخالفات شكلية وروتينية تكرر من عام إلى آخر، ولا تتعدى في كونها أخطاء حسابية، أو نظامية ولكنها غير مهمة نسبياً.
يتعذر البعض بتقادم نظام ديوان المراقبة وعدم مواكبته للتطورات الحديثة في المحاسبة والمراجعة، وعدم وجود حوافز مادية للمراقبين، وأقول إن النظام الحالي للديوان يعطي صلاحيات واسعة جداً له ويمكن من خلاله التطوير والتغيير، بالإضافة إلى أن هناك دعماً مادياً كبيراً للديوان من قبل الدولة، والمشكلة تتمثل في الإدارة.
وعلى أية حال، فإن التقارير الرقابية لا تتم الاستفادة منها، إلا عند نشرها على العموم، فقد تضمن المعيار الرقابي الدولي رقم (ISSAI 20) أسس الارتقاء بمبادئ الشفافية والمساءلة في الأجهزة العليا للرقابة، ونص المبدأ السابع منه على تشجيع نشر التقارير الرقابية باعتبارها من الممارسات الجيدة وحث على نشرها وتوفيرها في المواقع الإلكترونية.. والنظام الحالي لديوان المراقبة العامة لا يمنع نشر التقارير بجميع تفاصيلها، ولكن البيروقراطية تمنع ذلك؟!