(ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا)، هل دواء الحماقة أن نكون أكثر حمقاً؟ ما أفسد المعنى في هذا البيت إن كان هذا مقصود الشاعر، ويا لعظمة الحلم وجلاله في الصفح عن الحماقة، فبأهل الحلم عن علم، يتعلم الناس الحكمة، وبالحلم والعفو تثبت المكانة الجليلة في الأنفس، وأما التنزل لجهل الأحمق بجهل أكبر منه فليست إلا صولة السباع على بعضها، لا رشد من خلقه الله في أحسن تقويم.
هل قوة الدولة - أي دولة - في تعدادها السكاني؟ ربما، ولكنه بوجه آخر سبب من أسباب ضعفها، إذًا فهل قوة الدولة في اتساعها الجغرافي؟ ربما، ولكنه بوجه آخر سبب من أسباب ضعفها، هل قوة الدولة في ثرواتها الطبيعية؟ ربما، ولكنه بوجه آخر سبب من أسباب ضعفها، هل قوة الدولة في عقيدتها السياسية، ربما ولكن عقيدة النازيين كانت سبباً في دك برلين وتسويتها بالأرض، إذًا فما هي قوة الدول لتصبح رائدة بالحضارة قبل أن تكون معسكراً لاستعراض قوة الحزب الأوحد، الذي فشل فيه السوفييت وسقطوا!!
لن أقول كلاما عن العدل بالمعنى الرومانسي اللاتاريخي، فالدولة العباسية قامت على يد أبي العباس الملقب بالسفاح، لكثرة إسرافه في الدماء والعطايا؟! وبقيت دولة العباسيين التي دشنها (السفاح) مئات السنين، وقبلها كانت دولة بني أمية أكثر دموية برأس حربتها الحجاج بن يوسف الثقفي، ومثلها كانت دول أوروبا في عصورها المظلمة، ولكن يبقى السر الذي يعبر العصور وتغفل عنه الشعوب، والكامن في المعطى الإنساني بحسب كل عصر، فالعصور القديمة كانت الدول فيها تزدهر وتقوى بقدر ما يحمل مشروعها الحضاري من رعاية للإنسانية، فازدهرت الأندلس على حساب أوروبا لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تكون ملجأ آمنا لكل بني البشر، يهوداً ومسيحيين قبل المسلمين، ولهذا استحقت أن تدخل التاريخ.
ينسب بعض العارفين سر التفوق العربي في ما يسمى بالفتوحات (الإسلامية) إلى رغبة الطبقة الفلاحية/ المزارعين في تلك الأراضي المفتوحة إلى التخلص من نير استبداد فارس والروم، لما كانوا يفرضونه من تمييز طبقي وعرقي عنيف عبر المكوس والضرائب دون حقوق، فكان المشروع الإمبراطوري العربي رغم ما فيه، إلا أنه ووفق المعايير التاريخية القديمة أكثر إنسانية من إمبراطوريتي فارس والروم.
إذا فاختراق العرب لدول فارس والروم كان في الأساس تجديداً حضارياًّ لواقع إنساني تاريخي استهلك نفسه، عبر طبقية تجاوزها الزمن وتسلم العرب زمام السير بها للأمام وفق معطاهم التاريخي، فكانوا أكثر إنسانية من سابقيهم، ولكن في حدود المفهوم التاريخي، فلا ننجرف عاطفياًّ عن قراءة الواقع كما هو، ولهذا فالعرب آنذاك لم يكونوا إنسانيين بالمعنى المتجاوز للحظتهم التاريخية وجدليتها الخاصة.
عندما استنزف التاريخ العربي معطياته التجديدية لمفاهيم الحق والخير والجمال، تسلم المسلمون من الأعراق الأخرى الراية لإكمال المسيرة لأنهم الأقدر بعد أن تخضرموا ما بين حضارتهم السابقة على العرب والحضارة العربية الوليدة، فكانوا مزيجاً أكثر واقعية واستلهاماً لمبادئ الحق والخير والجمال، طبعاً الخط البياني الحضاري في عمومه هنات وسقطات، وصعود وهبوط، ولكنه في المجمل سار بنا إلى دولة السلاجقة العثمانيين، ليستعيدوا بروحهم الوثابة أمجاد ما سمي (بالخلافة) التي من خلالها، تخلصت التقاليد العربية من عقدتها العرقية على المستوى الفقهي في اشتراط مسمى (الخليفة) لمن كان قرشياً فقط، واستسلم العرب لهذه المكتسبات (الأعجمية) إلى حين، تلك المكتسبات التي تناصفها العثمانيون مع الصفويين ما بين بلاد العرب وفارس، حتى جاء زمن لم يبق فيه بيت عريق من بيوت الجزيرة العربية قبل الثورة العربية إلا وله قصة يرويها الآباء للأبناء عن دم سفكه العثمانيون لأجدادهم، يروون حكايا المقاومة والدم بكل فخر كمناضلين ضد (دولة الترك) المستبدة.
لم يخرج العرب من الأندلس إلا لأنهم لم يعودوا يستحقوا البقاء فيها، فقد تخلوا عن إنسانيتهم الراقية التي جعلتهم مأوى لكل المضطهدين في أوروبا من اليهود وغيرهم، وأصبحوا ككل الضباع التي تنهش بعضها، فانحدر بهم طموحهم السياسي وفق المعايير الحضارية إلى طموحات قصرت عن النظر الاستراتيجي بعيد المدى لشعب ينضج وعالم يتغير، فكان مكر التاريخ لمترفيها بالمرصاد.
كل ما سبق أعلاه أوردته لسبب بسيط، وهو أن الأدبيات الإسلامية في هذا الزمن تستغرق صفحاتها في تدبيج أننا الخطر القادم على الحضارة الغربية وعلى القوى العظمى، بما يوهم الشاب الغر فعلاً أننا قوة حضارية، نحمل معنا أجندات الحق والخير والجمال المنافسة للمعايير الإنسانية الحديثة، غاضبين على الغرب إذ لا يقدر دماءنا التي يتأملها بعيونه الزرق بكل برود، متناسين أن القاتل والمقتول في أرضنا العربية كلاهما يحمل الدم العربي نفسه، فهل نرجو من الغرب والعالم أجمع أن يكون أرحم بنا من بعضنا؟! هذا على مستوى الأفراد والمجموعات، أما على مستوى الحكومات، فالأنظمة العربية علامة استفهام ضخمة، بحجم يجعلنا نتواضع أمام العالم المتحضر - من أقصى اليابان إلى أقصى كندا - في معاملته لشعوبه ونستعيد الأدبيات الإسلاموية بفهم آخر أكثر واقعية لنقول لها بكل صدق مع النفس: نعم.. نحن العرب خطر حقيقي على العالم، نعم نحن النار العمياء التي يجب على العالم أن يتحد ليطفئها أو ليحيدها على الأقل بعيداً عن أرضه وشعبه فستأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله.
تألمت جدًّا لعبارة الإسلاميين (نحن القوة التي يخشاها الغرب) إذ يطرحونها بما يدل على أننا قوة حضارية، بينما الواقع تفضحه الوثائق البريطانية إبان سقوط الدولة العثمانية، وفيها يقول أحد رجالات بريطانيا في تقريره بما خلاصته: "إن سقوط الدولة العثمانية وبعد ما سمعناه من المسلمين في أرض الهند وبلاد العرب يجعلنا نظن أن هناك رغبة في تشكيل قوة ضامة لهذا الفراغ الذي تركته وراءها"، طبعاً المثير في كلامه عندما قال: "ولا أقصد بكلامي هذا أنهم سيشكلون خطراً بالمعنى الحقيقي للكلمة كما تشكله بعض الدول المعادية لنا، ولكني أقصد أنهم سيكونون قوة عمياء يجب أن نسبق أعداءنا في التعامل معها، للاستفادة منها وتوجيهها باتجاه خصومنا الحقيقيين".
هل عرفتم معنى أننا خطر؟ سنقولها بكل ألم: إنها تعني أننا خطر يشبه خطر الأعمى المعتوه، لا خطر العاقل الحازم، والمعتوه مكانه المشفى النفسي قبل السجن، أو الموت حتف أنفه، أما العاقل فيطاول ويداور دون أن يتوهم القط صولة الأسد، وإلا يصدق عليه (من لم يربه أبواه، رباه الزمان) وقد ربى الزمن الدول العظمى على يد بعضها بسبعين مليون قتيل، فتربية الزمن للدول أكثر كلفة، فالزمن عندما يربي الدول، يمهر قراراته بالدم، ومشوار البشرية للنموذج الإنساني الأرقى مشوار طويل، منذ بيع البشرية لبعضها في أسواق النخاسة وحتى ما لا نستطيع قوله حتى يتجاوزه الزمن، ويدركه قبلنا الآخرون فيقرروه حقاًّ إنسانياًّ جديداً لقائمة الحقوق التي عاشوها واقعاً لا شعارات، لنأتي بلا استحياء كعادتنا متأخرين ونقول: موجود عندنا منذ مئات السنين، ولم نسأل أنفسنا يوماً، كيف غفلنا عنه إذًا كل هذه القرون وعجزنا عن تطبيقه؟! فما أقبح الأمة التي سقطت في امتحان الكبرياء الحقيقي لتمارس المكابرة الفارغة على الحق والخير والجمال، وما أصعب الدواء على من يتوهم العافية.