لا يمكن إلا أن يكون جريمة إنسانية بشعة، وعملاً إرهابياًّ ضالاً ذلك الذي حدث في قرية "الدالوة" بمحافظة الأحساء شرق المملكة، فحينما شاهدت صور الضحايا فوجئت أن معظمهم من الأطفال والشباب المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين (13 و17 و23 عاماً)، وهذا دليل قاطع على عشوائية وجبن المنفذين ومن يقف خلفهم، والفكر المنحرف الذي يحرك هذه المجموعات العبثية، وأجزم أن هناك من يحاول استثارة الشارع نحو أهداف غوغائية خبيثة، واستثمار لحظة فقدان توازن يتوقعها لزعزعة هدوء المجتمع السعودي والشرقاوي تحديداً، لكنه على ما يبدو خسر الرهان وفوت عليه العقلاء الفرصة التي خطط من أجلها ببلادة، فكانت كلمة فضيلة مفتي المملكة الضربة الأولى والقوية لحقدهم وطائفيتهم التي أكد فيها على قبح العملية فقال: "هذه فتنة وشر فعلة، افتعلها من يريد بها الشر والسوء، ويريد بها فتح باب النزاع الطائفي علينا؛ ليقتل بعضنا بعضاً، هذا العدوان خطط له منافقون ضالون، يريدون إشعال الفتنة الطائفية بين أبناء الأمة، وضرب بعضهم ببعض".

شخصياًّ لم تتح لي الفرصة سابقاً لأزور الأحساء، لكن بعض أصدقائي يعيشون فيها، وقد عكسوا لي جمالاً إنسانيا، لا يكون إلا في مجتمعات مختلطة ومتنوعة كمجتمع الأحساء، ويصفها بعض الأصدقاء ومنهم أحد أبرز من تعجبني قراءاتهم وتحليلاتهم على صفحات الفيسبوك كالصديق "علي عريشي" بقوله: "لماذا الأحساء"؟

الأحساء لا تشبه سواها من المدن السعودية في أنموذج التعايش والتآخي بين السنة والشيعة، ثقافتها الاجتماعية المتسامحة ظلت حكراً عليها، ولم تستغل كظاهرة يمكن تعميمها، يرى بعض المتعصبين الشيعة أن "الحساوية" جبناء لأن مواقفهم تجاه قضايا أبناء الطائفة أقل حدة من سواهم، ويجد بعض المتعصبين السنة في الأحساء مجتمعاً سهل الاختراق.. لا يبدو اختيار الأحساء لتنفيذ الجريمة عملاً عشوائيا!

وأياًّ كان الفاعل فالمستهدف الحقيقي هو التعايش والتسامح والطيبة ممثلةً في الأنموذج "الأحسائي"، وبالنظر للأوضاع الإقليمية تبدو جريمة الأحساء نقطة في منتصف السطر تنتظر جُملاً أكثر حدةً ودموية تأتي بعدها.

لقد ظهر أن التماسك الداخلي سياسياًّ واجتماعياًّ أقوى بكثير مما يظن أولئك القتلة، ويضرب حساباتهم في مقتل، وتؤكد خسرانهم وفضيحتهم العريضة أمام مجتمع لم يعد ممكناً الاستيلاء عليه وخطفه بسهولة، ولم يعد ممكناً تجاهل تنامي مستوى وعيه بضرورة تماسكه للحفاظ على مقدراته، هذا المجتمع الذي يرى البعض إمكانية اختراقه من هذا الباب العتيق، بات يدرك قيمة احترام الآخر وضرورة تقدير حقوقه، وأهمية أن يقف متعاضداً في وجه التآمر، وبات على يقين تام من أن طاعة الله لا تكون من خلال فوهة بندقية، ولا يمكن أن تأتي على ظهر رصاصات وغدة وطائشة..

تأملوا معي هذه الكلمات التي أطلقها الشاب الأنيق "نزار قب" على صفحته مبشراً بعقلية جيله قائلاً: "هرمنا من أجل هذه اللحظة.. هذا الاستنكار الجمعي من قبل غالبية الشباب السعودي والمؤسسة الدينية لما حدث في الأحساء، يبشر بأننا نتجه نحو المجتمع التعددي الصحيح وبالتالي تلاشى الخطاب المذهبي التقسيمي، الذي ربض على صدر مجتمعنا سنين طويلة، أو هكذا أظن".

أشعر بكثير من التفاؤل وأنا أقرأ المزيد من مثل هذا الوعي بين شريحة الشباب خاصة، وهم أمل كل أمة ومستقبلها، والدعامة الأساسية لما سيتشكل غداً فارضاً موضوعاته وطريقته في العيش والتعايش، ليفوت على طيور الظلام سعيهم للسيطرة على المجتمع وتفجير وضعه الراهن بشتى الوسائل، ويفضح خبثهم وكراهيتهم للحياة بأشكالها كافة..

هنا حقاً يمكنك أن تجد ما يواسيك فيما حدث، ويعزيك فيمن استشهدوا برصاصات الغدر والرجعية، فليرحمهم الله شهداء من أجل وطنهم ومجتمعهم.