كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة"، خلال مناقشة تقريرها السنوي في مجلس الشورى مؤخراً عن "رفض بعض الوزراء والمسؤولين تنفيذ ما تطلبه الهيئة من إجراء التحقيق في المخالفات وأوجه الفساد التي تحيلها إليهم الهيئة، وتطلب منهم التحقيق وتحديد المسؤوليات وتطبيق العقوبات النظامية التي تدخل ضمن صلاحياتهم".
والسؤال المطروح هنا: لماذا تطلب "نزاهة" من الجهات الحكومية إجراء التحقيق في المخالفات وقضايا الفساد؟ في حين كان بإمكانها إحالة هذه القضايا مباشرةً إلى الجهات المختصة مثل هيئة التحقيق والادعاء العام أو هيئة الرقابة والتحقيق، وذلك حسب اختصاصاتها بهذا الشأن!
حيث تنص الفقرة (3) من المادة الثالثة من تنظيم "نزاهة"، على أن من اختصاصاتها "إحالة المخالفات والتجاوزات المتعلقة بالفساد المالي والإداري عند اكتشافها إلى الجهات الرقابية أو جهات التحقيق بحسب الأحوال، مع إبلاغ رئيس الجهة -التي يتبعها الموظف المخالف- بذلك، وللهيئة الاطلاع على مجريات التحقيق ومتابعة سير الإجراءات في هذا الشأن".
ونفهم من نص المادة السابقة، أن قضايا الفساد المكتشفة يتم إحالتها إلى الجهات المختصة خارج الجهة الحكومية مباشرةً وليس إلى الجهة نفسها، مع إبلاغ رئيس الجهة بهذه الإحالة فقط، وبالتالي ليس هناك إشارة بطلب إجراء التحقيق من قبلها.
قد يقول قائل إن "بعض قضايا الفساد وعقوباتها تدخل من ضمن صلاحية الجهة الحكومية، أو ربما يكون هناك شبهة فساد غير مكتملة الأدلة أو أنها ضعيفة وغير كافية ولا يمكن الوثوق بها، وبالتالي لا يمكن إحالتها إلى جهات التحقيق المعنية حتى يتم إجراء التحقيق داخل الجهة".
وأقول: إذا كانت عقوبات المخالفات تدخل ضمن صلاحية الجهة نفسها، فهي في الغالب تتعلق بمخالفات إدارية أو مالية غير جسيمة، وفي جميع الأحوال فإن أشد العقوبات هي الحرمان من العلاوة السنوية حسب نظام تأديب الموظفين، فإذا كانت المخالفة جسيمة فلابد من تدخل هيئة الرقابة والتحقيق أو هيئة التحقيق والادعاء العام في القضية لإجراء التحقيق اللازم.
أما بالنسبة لعدم كفاية الأدلة، فإن المطلوب من "نزاهة" التحري والتحقق وجمع الأدلة المطلوبة والكافية التي تثبت حالة الفساد، وذلك حسب نص الفقرة (12) من المادة الثالثة من تنظيم الهيئة، والتي تنص على: "توفير قنوات مباشرة مع الجمهور لتلقي بلاغاتهم المتعلقة بتصرفات منطوية على فساد، والتحقق من صحتها واتخاذ ما يلزم في شأنها".
وعلى هذا الأساس، فإنه لا تكفي مخاطبة الجهة ببلاغات الجمهور للاستفسار أو طلب التحقيق، وإنما يتطلب الأمر الشخوص ميدانياً لجمع الأدلة والتأكد من صحة البلاغات، ليتم إحالتها فيما بعد إلى جهات التحقيق المعنية خارج الجهة حسب الحالة، والاستفسار من الجهة أو طلب التحقيق منها عند ورود البلاغات دون الشخوص الميداني أولاً، هو بمثابة فرصة سانحة للجهة في التغطية والتعتيم على قضايا الفساد.
ففي بعض قضايا الفساد المكتشفة، تطلب الجهات الرقابية من الجهات الحكومية إجراء التحقيق مع المسؤولين عن هذه القضايا، والذين تحوم حولهم الشبهات، وفي الغالب تحاول بعض الجهات الحكومية التعتيم على مثل هذه القضايا ما أمكنها ذلك، وتضطر إلى إجراء التحقيق في حال انكشاف المخالفات وتداولها بين الناس في أحاديثهم.
وفي حالات نادرة يتم إجراء التحقيق بناءً على طلب الجهات الرقابية، ويكون هذا التحقيق مجرّد مظلة لاستيعاب النقد الرقابي والمجتمعي، فتحاول هذه الجهات إذابته وجعله بمثابة تبرئة للموظف المسؤول عن قضايا الفساد من كل المخالفات التي أقدم على ارتكابها، وخاصةً إذا كان من كبار الموظفين وأصحاب النفوذ، إذ كثيراً ما تطول فترة التحقيق، ولا يتجاوز كونه شكلياً، وبعد طول مدة تغفل القضية برمتها!
فعندما تصل قضايا الفساد إلى الجهات الرقابية، تحاول بعض الجهات الحكومية إقناعها بأنه يمكنها التحقيق في القضية واتخاذ أقسى العقوبات بصددها، فيتم تشكيل لجنة تحقيق من كبار المسؤولين، ومثل هذه اللجان عادة ما تستغرق أعمالها وقتاً طويلاً، قد يمتد إلى سنوات، وتكون النتيجة في حالة ثبوت التهمة إما توجيه عقوبة الإنذار أو اللوم إلى الموظف المسؤول عن المخالفة، فتحفظ في ملفه، ثم يتم سحبها فيما بعد!
وإذا كانت المخالفة جسيمة، تكون العقوبة إما الحسم من الراتب أو الحرمان من العلاوة السنوية، وربما يصدر بعدها قرار بمنح الموظف المخالف والمتهم في القضية مكافأة تشجيعية، إما ترقية أو انتداب أو تكليف بخارج دوام، تعادل أو تزيد عن المبلغ المخصوم من الراتب! وفي أسوأ الأحوال ربما يتم إحالة هذا الموظف إلى التقاعد من خلال استخراج تقرير طبي على سبيل المثال يثبت عجزه عن العمل!
ولا أبالغ إن قلت، أن بعض الجهات الرقابية ربما تساهم أيضاً في التغطية على قضايا الفساد، وخصوصاً إن كان لأطراف فيها مصلحة، فتوقف إجراءات القضية، أو تستمر استمراراً شكلياً ليتم حفظها، لكي تنتهي في آخر المطاف في الأدراج.
وهناك وسائل بيروقراطية تنتهجها سواء الجهات الرقابية أو الجهات الحكومية في عملية التعتيم على قضايا الفساد منها على سبيل المثال: التقليل من خطورة القضية والسعي إلى عدم إحالتها إلى جهات التحقيق المعنية بشتى الوسائل الممكنة، وتطويل مدة القضية من خلال المكاتبات والخطابات المتبادلة، أو حفظها لعدم كفاية الأدلة أو إنها من باب الشكاوى الكيدية التي تنال من المسؤولين وتشغل الجهات عن القيام بأعمالها، وعلى هذا المنوال.
ولهذا من الضروري أن تقوم "نزاهة" بالشخوص الميداني عند تلقي البلاغات بعد دراستها من الناحية القانونية، للتحقق من صحتها وجمع الأدلة الكافية التي تثبت الحالة، ومن ثم الاستفسار ومناقشة الجهة، ليتم بعد ذلك إحالة القضية إلى جهات التحقيق المعنية، تمهيداً لمحاكمة المتهمين قضائياً.. ولكن تبقى مشكلة حجب المعلومات وعدم التعاون مع "نزاهة"!