لماذا لا نسلط الضوء على علم التلقي؟ ولماذا لا نلتفت إليه؟ ليظل الفن والأدب في علومه ومدارجه مسكوتا عنه وإن جاء ظلا في ذيل القائمة! وإن اختل البناء الاجتماعي نستمر في اللوم والصياح! بينما لا نعلم أن كل التغيرات والسلوك الاجتماعي بجميع أنواعه نتاج محصول التلقي.
لقد علمت الدول المتقدمة أهمية علم التلقي، فانبروا في إخضاع مراكز الأبحاث للتنظير لهذا العلم الذي لم يلتفت إليه أحد في بلادنا! وعلى سبيل المثال مدرسة كونستانس للدراسات الأدبية، وهم مجموعة من أساتذة الجامعة والمثقفين برئاسة الألماني هانز روبرت ياورس، وقد استمروا أربعة عقود حتى الآن مهتمبن بـ(جماليات التلقي)، ولها بالغ الأثر فيما أحدثته في جماليات التلقي وحماية المتلقي وإثراء اللغة الحسية والإدراكية لديه.
ذلك لأنهم فقهوا إلى أي مدى يغير المعطى الفني والثقافي في الكيمياء البشرية؛ فالعلم والتنظير والمعرفة هي الدرع الواقي للوطن وللمجتمع. ولكننا حتى اليوم عندما يُذكر الفن أو الثقافة يتعوذ الواحد منا من الشيطان الرجيم! وفي حديث لي مع باحثة تريد تسجيل موضوع الدكتوراه فاقترحت عليها تأثير الفن على الكيمياء البشرية، فما كان منها إلا أن قالت: "ابعديني عن الفن، والله إن تعليق شهادته على الحائط فشيلة"! فهل إلى هذا الحد تأطرنا؟ وهل إلى هذا الحد وُجهنا وتوجهنا؟ فنغدو كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال؛ فالعالم لم يعد يموج حولنا بل أصبح يموج بنا! لذا نقول لا بد من البحث والتنظير والتجهيز للتلقي بالوعي والمعرفة، فلا نقع في براثن الخطر دون علم أو وعي.
ما جعلني أسهب في هذه المقدمة هو التنبية والانتباه لما يعمله الفن في ذواتنا دون أن نعي خطورته أو منافعه! وخطورته أكثر من نفعه إذا لم نعطه حقه من الوعي والتفكير.
ومما حرك شجوني وأثار تفكيري هو دخول نوع من المخدرات عن طريق التقنية الرقمية بالموسيقى! وكيف تستخدم الموسقى كمخدرات تحدث الإدمان، التي تترواح الجرعة منها بين ثمانية وستة دولارات! فهل فقه أبناؤنا الفخاخ المنصوبة لهم؟ وهل أدركوا أن هذه الموسيقى تدمر خلايا المخ؟ وقد سميت بالمخدرات الرقمية! وإذا اختل ميزان التردد الرقمي أحدث ما يسمى بـ"الأوفردوز" Dose increase، فما هي هذه المخدرات وكيف دخلت بيوتنا؟!
يقول أحد الباحثين: "تقوم المخدرات الرقمية أو Digital Drugs التي تنساب من الأذنين على شكل نغمات، لتصل إلى الدماغ وتؤثر على ذبذباته الطبيعية، وتُدخل متعاطيه إلى عالم آخر من الاسترخاء. وتتم تجارة هذا النوع من المخدرات عبر الإنترنت، وتأخذ منتجاته شكل ملفات صوتية mp3 تحمل أولاً بشكل مجاني كعينة تجريبية، غالباً ما تحقق غرضها وتوقع المستمع إليها ضحية الإدمان.
كذلك توجد للمخدرات الرقمية قواعدها الخاصة، إذ ينصح بشراء كتاب توجيهات، وهو عبارة عن 40 صفحة فيه جميع المعلومات عن هذا المخدر وطريقة تعاطيه، فبإمكان أي جرعة زائدة أن تفتك بدماغ المستمع. إن من ينساق وراء هذا النوع من الموسيقى المخدرة هم من فئات الشباب والمراهقين، الذين ينساقون إلى أي تقليعة دون وعي. فماذا لو كان هذا الشباب يفهم أن من آليات علم التلقي أنها تغير من كيمياء جسده وتدمر رأسه؛ لكان أبعد ما يكون عن هذا التعاطي، وإنما الجهل يوِّلد تدمير الذات.
يقول الباحث في هذا الشأن: "يجب على المتعاطي أن يجلس في غرفة خافتة الإضاءة، ويطفئ جميع الأدوات الكهربائية التي يمكن أن تسبب تشويشاً أو إزعاجاً، كما أن عليه أن يرتدي ثيابا فضفاضة ويضع سماعات، ويكون في حالة استرخاء شديد، ثم يغمض عينيه ويشغل الملف الصوتي.
تعمل المخدرات الرقمية على تزويد السماعات بأصوات تشبه الذبذبات والأصوات المشوشة، وتكون قوة الصوت أقل من 1000 إلى 1500 هيرتز كي تُسمع منها الدقات.
أما الجانب المخدر من هذه النغمات فيكون عبر تزويد طرفي السماعة بدرجتين مختلفتين من الترددات الصوتية، ويكون الفارق ضئيلاً يقدّر بـ30 هيرتز، وهي أشد خطورة من الكوكايين والهيروين، فنجد من بين استخدامات المخدرات الرقمية إنقاص الوزن، ومسميات أخرى كـ"أبواب الجحيم" و"المتعة في السماء".
ومن دعامات التسويق لها، أن هذا المخدر الرقمي لا يحمل أي مؤثر كيميائي، فيقبل عليه الشباب لاقتناعه أنه خال من أي مواد كيميائية، وهم لا يعلمون أن الفن بصفة عامة يغير من كيمياء الجسم عن طريق التأثير على الوجدان الذي محله الدماغ، وقد بينا ذلك في نظريتنا (البعد الخامس في التلقي) التي صدرت عام 2004، منبهين إلى مدى تأثير الفن على الوجدان، وهو لب الدماغ، بما يحدث ما يسمى بخاصية اللذة والكدر. فكيف لو أننا انتبهنا إلى هذه الخاصية ووظفناها فيما ينفع الناس، دون أن ننتظر حتى يستغلها المستغلون في تدمير أدمغة النشء والشباب من أبنائنا، ثم يأتي البيع والشراء عن طريق النت، وبيع نغمات معينة تضبط على درجة معينة للوصول إلى عمق الوجدان فتدمره، ونحن لا نعلم أن من أمراض الوجدان هو الذهان والعصاب، أي الجنون إلى أبعد حد! ونحن نعتقد أن أبناءنا على الأجهزة يستذكرون ويتدارسون، ولا نعلم أنهم يمارسون أبشع أنواع التخدير التي تفضي إلى الجنون! فهل نترك أبناءنا فريسة لكل دخيل ومستعمر يدخل بيوتنا دون استئذان؟
ومن ثم فإننا نقول ما الذي فعلناه بين الأمم، فحينما بحثت عن نظريات عربية لم أجد نظرية واحدة تحمي أبناءنا تدارسناها في جامعاتنا، ونحافظ بها على خصوصيتنا التي نحافظ بها على هويتنا؛ فلك الله يا وطني!