بوابة المدرسة الضخمة تحوي باباً صغيراً، عليه لوحة فيها صورة خيال امرأة، ترتدي عباءة الرأس، وتحتها عبارة تذكِّر منيرة كل صباح أنها ليست قدوة لتلميذاتها ولا للمسلمات مادامت ترتدي عباءة الكتف.
في الواقع لا تفكر منيرة بمناقشة إدارة المدرسة عن أصل هذه العبارة، ومدى صحتها، أو حتى مدى الأذى الصباحي الذي عليها احتماله كلما عبرت عيناها على اللوحة؛ لسبب وجيه وهو أنه في يوم دراسي قصير تعمل منيرة فيه خمس حصص تقريباً وبدون حصص مكتبية ككل معلمي العالم يصبح صرف الوقت لمثل هذه الأمور خيالياً جداً.
كل يوم، وقبل كل حصة من حصصها الخمس، تقف منيرة دقيقتين تحاول استرجاع ذاكرتها، أي مادة وأي درس يجب أن تشرح لهذا الفصل. لم يبق تعدد المناهج لمنيرة فرصة لبرمجة دماغها أو تجديده.
إن أولئك الذين في المستويات العليا في الإدارة يصرخون كل يوم، نصاب منيرة هو 24 حصة، وفي كل يوم تود منيرة لو تناقش أحدهم عن مدى عدالة هذا الكم من الحصص، مع تعدد في المناهج والدروس والمراحل في يوم دراسي قصير نسبياً.
إن الآلة التي اخترعها الإنسان تتطلب وقتاً لتنتقل من برنامج إلى آخر، بينما نصاب 24 حصة بواقع خمس حصص يومياً، بالإضافة إلى حصص الريادة والنشاط لا يترك فرصة لمنيرة لتجديد قواها واستيعاب ما هي مقبلة عليه.
التحضير، وأوراق العمل، ورصد الدرجات، وتصحيح الأوراق، هي في نظر القيادات العليا عمل منزلي على منيرة أن تترك زوجها وأطفالها وحياتها الاجتماعية، وتعمله يومياً كعمل إضافي غير مدفوع الأجر، بينما يخصص العالم كله للمعلمين ساعات مكتبية يؤدون هذه الأعمال فيها إلا منيرة، فساعاتها المكتبية مقتطعة من أوقات صغارها الذين يحلمون بأمهم دون رائحة الأقلام وعاصفة الأوراق الملونة ودفاتر التلميذات.
الطالبة المشاغبة التي أبلغت المديرة الجميع بعجزها عن تهذيبها، تقف على مسافة من منيرة وتعلق بكلمة جارحة عن منيرة تحديداً، ومنيرة تعرف أنها تقصدها لكنها تذكر نفسها بحكمة معاوية الخالدة: ثلثا الحكمة التغافل.
تقلب منيرة درسا من دروسها، تحسب عدد المعلومات الواجب شرحها. 16 معلومة وتسأل نفسها هل أوصل المعلومات جميعها؟ أم اختار أهمها وأعلم الطالبات ما علموني في كليات التربية؟ الدروس تساعد الطالب على تنمية مهاراته، لا معلوماته فقط.
هل من أعد المناهج لديه فكرة واحدة عن الهدف من التعليم؟ إذن لم كل هذه المعلومات التي يجب أن يغطيها محتوى الدرس.
هل من أعد هذه الدروس يعلم أن لدى منيرة 45 دقيقة، خمس منها تنتهي بخروجها من فصل ومحاولة إخراج زميلتها من الفصل المستقبل، وخمس دقائق لضبط الفصل ومسح السبورة، وخمس دقائق لحل الواجب والتفتيش عليه، وتتبقى خمسة وعشرون دقيقة لشرح الدرس وحل التطبيقات. فماذا يتوقع؟
قسمت منيرها فصلها إلى أربع مجموعات، كل مجموعة فيها ما بين تسع إلى ثمان طالبات، ضاربة بعرض الحائط كل تنبيهات مبدعي التعليم التعاوني التي لم تمر عليهم ـ ولاشك ـ تقديرات القبول في المدارس التي يعتقد القائمون عليها أن الدرس الناجح معلم مجتهد ولا يهم عدد الرؤوس التي يجب عليها إدارتها.
في الواقع، إن منيرة تحب كونها معلمة، وترغب أن ينجح عملها، حتى وشعرها يتبلل كل يوم من تسريبات المكيف فوق رأسها في الفصل، أو عدم عمل المكيف في فصل آخر، أو جهاز البرجكتور اليتيم في المدرسة الذي تتسابق هي ومعلمات المدرسة عليه كل يوم.
في صباح أحد الأيام، قررت أن تخرق العهد الضمني الذي يتعاهد عليه المعلمون وهو عدم إظهار التذمر في وجه المديرة حتى لا يعد ذلك نوعا من التمرد. طرقت الباب برقة ودخلت، تطلعت نحوها المديرة بهدوء ثم تراجعت قليلاً إلى الوراء وهمست بملل: أهلاً، تجاهلت منيرة استقبال المديرة البارد وهمست: بركة الماء تحت المكيف زادت، أصبحت أخشى من حدوث ماس كهربائي، الطالبة سلمى في الصف الأول تعاني من صعوبات تعلم، ومن الظلم عدم تلقيها أي رعاية خاصة، فصل ثاني أول علمي المكيفات لا تعمل والصيف يرفض أن يغادر. تنفست المديرة بعمق وخلعت نظارتها وقالت بجدية بالغة وهي تنظر إلى ذراعي منيرة: "منيرة كم مرة لابد أن أحذرك من ارتداء الأكمام القصيرة في المدرسة".
إن ثمة أشياء جميلة تشعر بها منيرة، ليس آخرها عندما تنجح تلميذاتها في حل اختبار يظنونه صعبا، أو عندما تجلس معهن على درج المدرسة يقصصن عليها قصصهن الصغيرة أو أحلامهن التي يمكنها أن تجعل قلب منيرة يخفق أملاً.