تأملت الواقع السعودي بعد حادثة "حسينية الأحساء"، نعم حسينية شيعية لإخواننا الشيعة، وليس في ذكرها أي عار أو خجل، أقول تأملتها بعد ذهاب الصدمة الأولى التي أصابتنا جميعاً نحن المواطنين السعوديين، وسأستخدم هنا مفردة مواطن سعودي، سواء كان في استراحة في العوامية أو استراحة في شقراء. الجميع مواطنون سعوديون لهم حقوق المواطنة وعليهم واجبات، وعليه فإن مفهوم الوطنية الذي دارت عليه السنين في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، ولم تتحول توصياته أو حتى نظراته الفكرية إلى واقع يمكن استثماره، سوى في بعض الصور رأينا فيها الرموز الدينية تمسك بيد بعضها بعضا، كأننا في حملة علاقات عامة، ننصرف بعدها بلا جدوى أو فائدة، رغم أن المسألة عند العقلاء تتجاوز مجاملة مغلقي الفهم والعقل، فهذا وطن مشترك للجميع، وليتعظ المعتوهون وفاقدو العقل مما يرونه في العراق، فمن يعود للإحصاءات العراقية لضحايا التفجيرات الطائفية يخيفه الرقم الذي تجاوز الآلاف، هل نفهم معنى كلمة آلاف من الجثث البشرية من شباب ونساء وأطفال، أم أن هذا الرقم يسيل له لعاب المعتوهين من الفئة الضالة، وبعد هذا الرقم بالآلاف هل قضى السنة على الشيعة في العراق؟ أو هل قضى الشيعة على السنة؟ أبداً، وقبل هذا الجنون الطائفي كان صدام حسين يستمرئ مذبحته بالآلاف للأكراد السنة، ومثلها في الشيعة العراقيين، وها هو مات حتف أنفه، وبقي الأكراد وبقي الشيعة، إذن، المسألة ليست مجرد تهديدات ولعبة رقص سياسي على جماجم الشعب لمعتوهين يتاجرون بالخطب الدينية على رؤوس مواطنيهم، وإنما المسألة تهديد حقيقي ساطع كعين الشمس، لانفلات لا يفرح به إلا من لعنه الله والناس أجمعون.
عندما يذهب السعودي إلى الغرب الذي يعتنق المسيحية يعيش سنواته الدراسية بين أولئك الذين يقولون في حق الله إنه ثالث ثلاثة، فهل عناه من كل هذه المسائل الدينية التي تعنيهم شيء، لهم دينهم وله دينه، فيعود ابن الوطن أحياناً، وقد تخرج بمرتبة الشرف التي منحه إياها هؤلاء المسيحيون، شاكراً لهم، ذاكراً لفضلهم العلمي عليه، وعندما يستقبل بلدنا هذا التنوع من الجنسيات كعمالة أجنبية من الهندوسية والبوذية وغيرهما من أديان وثنية.. ثم يستطيع المواطن أن يتعايش مع كل هذا دون حرج أو إشكال، فأين تكمن المشكلة؟ إنها تكمن في أولئك الذين يضعون العدسة المقعرة فقط على طائفة أو فئة مخصصة من المواطنين، ففي مصر وضعوها على فرج فوده فقتلوه بها، وفي اليمن وضعوها على أمين عام الحزب الاشتراكي المساعد جارالله عمر فقتلوه بها، ثم كبرت اللعبة أكثر وأكثر فأصبحت توضع على مستوى الجماعات والطوائف لنصل إلى ما وصلنا إليه في العقد الأخير من العراق شرقاً حتى أقصى أفريقيا غرباً.
الوطنية المطروحة كمشروع سعودي بامتياز يجب أن تراعي الهوية الدينية لهذا البلد، ويجب أن تراعي أنه قبلة لأكثر من مليار مسلم على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، وهذه المسؤولية شرف حقيقي يجعلنا نستقبل أكثر الأعداء السياسيين لهذا البلد بترحاب الزائر للمشاعر المقدسة، ثم يعود إلى وطنه ليكمل شتمنا إن أراد في قناته وإعلامه، ولكن في ذلك مزيد من الشرف لنا إذ كنا كباراً كما يليق بعظمة الحمل الذي شرفنا الله به، وهكذا هي القصور العالية فظلالها تظلل الجميع، فكيف نعجز بعد كل هذا عن أن نستوعب بشكل حقيقي بعضنا البعض على اختلاف مذاهبنا وآرائنا وتوجهاتنا؟
الرهان الحقيقي كما أراه لهويتنا القادمة، لا يكمن في البحث عن قيم مواطنة لنظرية شرقية أو تجربة غربية، ولعل ما يفسد كثيرا من التجارب أنها تؤخذ من خارج البلد نظرياً ويتم إسقاطها على بلادنا بشكل فج، لكن التجربة التي أعنيها خالية من عيوب استعارة تجارب أوروبا أو اليابان، بل هي ماثلة عندنا في منطقة الحجاز، ممثلة في أهل مكة الأبرار، فحسب تجربتي التي تنقلت فيها موظفاً وطالباً بين أكبر مناطق المملكة، أجد أن النموذج الحجازي للمواطن السعودي هو النموذج الحقيقي الذي يجب أن نسعى إليه، فهو مؤهل أكثر من غيره، ليكون هو النمط السائد للشخصية السعودية القادمة، على مستوى المملكة عموماً. الشخصية الحجازية بحكم خدمتها الدينية لمختلف الطوائف الإسلامية تشكلت بطريقة حضارية تستطيع استيعاب الآخر دون التفريط بإرثها وسمتها الديني السعودي، وعلى باقي المناطق استثمار التجربة الحجازية في التسامح والتكاتف وروح التمدن الحضاري الحقيقي.
يجب أن نعترف أن مكة المكرمة هي (العاصمة المقدسة) الدائمة لقلوبنا، والتجربة الحجازية استطاعت استيعاب كل الطوائف، بل وكل التوجهات الاجتماعية على المستويين الخاص والعام.
دائماً ما يخيف الحريصين على مسائل الهوية الدينية: أين تكون في معادلة المواطنة، فنقول لهم: ستكون هي قلب المعادلة القادمة لكن بأفق التسامح الحجازي الذي أهلنا لاستقبال حجاج بيت الله الحرام من أقصى بلاد الهند إلى أقصى أميركا الشمالية، فهل هذا يرضيهم ويريح الجميع كحل استراتيجي تتمحور حوله أطروحات المواطنة وشروطها، أم عندهم شروط تستبطن جمر الطائفية تحت تخريجات تراثية ضيقة النظر، متناسين عبارة ابن عربي الخالدة (لا يوجد في العالم مرض يحتاج لعلاج، كل ما هنالك تعصب يحتاج إلى تواضع)؟.
قد يقول قائل: لماذا لا نتكئ على قانون تجريم الطائفية ونشر الكراهية الذي تطرحه كثير من الدول الحديثة، بدلاً من سفسطة حول الشخصية الحجازية أو الجنوبية أو النجدية؟ الجواب أن مونتسكيو كان يقول: يجب أن تلقن العادات أولاً ثم تأتي القوانين لتسن بعد ذلك، وقد قام الحوار الوطني بتلقين العادات ولكن ربما تأخرنا في سن القوانين، التي أصبحت كما يرى الكثير (فرض عين)، أما اختياري للشخصية الحجازية فلأنها هي الوحيدة التي استطاعت دائماً احتمال تنوعنا القادم لها من كل مناطق المملكة للعمرة وقضاء إجازة الشتاء في عروس البحر (جدة) لنكون فيها أكثر أريحية وتقبلاً لبعضنا البعض من مدننا وقرانا وهجرنا التي قدمنا منها.
الحجاز كان الحضن الدافئ لمناطق المملكة، وما زالت مكة المكرمة هي الأم ببعدها الروحي وبسماحة أهلها الكرام مع كل طوائف المسلمين من كل أنحاء العالم، ختاماً -لست حجازياً وليس لي أي قرابة أو مصاهرة أو منفعة من أي نوع مع أي حجازي، ولهذا فشهادتي فيهم بشروطها الفقهية معتبرة هنا، ولكني أفخر بهم لأني وإياهم أبناء وطن واحد- وليحفظ الله هذا الوطن بكل مناطقه وطوائفه، وتبقى الأجندات الوطنية، على المستوى التشريعي المدني، لمفهوم المواطنة، سياسياً واجتماعياً، لأبناء الشعب، متروكة لأهل النظر الأعمق والأبعد، إنما لن يطفئ القلق والهلع قتل القتلة، بل منع الجريمة قبل وقوعها بسن العادات الاجتماعية الجديدة التي تحترم الجميع بحكم المواطنة كسعوديين، لا بحكم المذهب أو القبيلة وفرض القوانين تباعاً لها، فالطائفية خطر حقيقي، ولسنا بحاجة لتجربة علقمها في شبابنا وأطفالنا ونسائنا لنعرف حقيقتها، فالعراق بين ضحايا حسينياته ومساجده خير واعظ لمتعظ، وأرجو أن لا نتأخر كثيراً لنطرح مقالاً آخر بعد عام أو عامين -لا سمح الله- عن تجارب اليمن المرة في تجاهل التعصب القبلي، فحياتنا وأطفالنا وأمن وطننا لا يحتملان التأخير.