كانت القضية الجوهرية للمقالة السابقة تؤكد على أن منظور العدالة يتطلب منا أن نوفر للأطفال ظروفا وشروطا للحياة تحميهم من التأثر الكبير بالظروف التي ولدوا فيها والتي قد تكون في غير صالحهم. بمعنى أن الأطفال الذين يولدون في ظروف صحية أو اجتماعية غير مساعدة على النجاح في الحياة يفترض أن تمدّ لهم يد العدالة لتخفف من أثر تلك الظروف، وبالتالي تفتح لهم المجال في الحياة بما يتوافق مع الأهداف التي يضعونها لحياتهم الخاصة. الفرص المتكافئة بهذا المعنى تتطلب تعاملا متفاوتا بين الأطفال. الأطفال الذين يدخلون الحياة بظروف أسوأ من غيرهم يحتاجون مساعدة أكثر من غيرهم للمشاركة في الحياة بشكل أقرب للعدالة.

التعليم هو أحد أهم العوامل المؤثرة في حياة الإنسان، وبالتالي له دور أساسي في تحقيق أو منع مشاركة هذا الإنسان في الحياة بصورة عادلة. التعليم هنا يأتي بمعنى تجربة حياتية تفتح للفرد آفاقا مختلفة ومتنوعة في الحياة. القراءة والكتابة مثلا تعطيان الفرد لغة جوهرية للتواصل مع المجتمع والعالم. القراءة والكتابة تعنيان أن هذا الفرد أصبح يملك قدرا مهما من الاستقلال في القرار والحركة والتواصل وإدارة حياته الخاصة. لنتصور هنا طفلين في ظروف متقاربة (عائلة، فقيرة، العيش في قرية بعيدة عن الفرص الوظيفية، قدرات ذهنية عالية)، أحدهما توفرت له الفرصة وتعلم القراءة والكتابة، والآخر لم تتوفر له الفرصة وبقي أميا. هناك احتمالات عالية جدا بأن يكون عامل التعليم مؤثرا وبشكل جوهري في جعل حياة الطفل المتعلم أيسر وأوسع فرصا. الطفل المتعلم يملك لغة إضافية للتواصل مع عدد هائل من الناس لا يمتلكها الطفل الآخر الذي سيبقى محدودا في اللغة المحكية المتوفرة له.

في الظروف الحالية نعلم كذلك، أن الطفل المتعلم لديه فرص اقتصادية أعلى لأن الوظائف والاستثمار أصبحت مربوطة بشكل جوهري بمهارات تتطلب كنقطة انطلاق إجادة القراءة والكتابة. في السعودية، ومع بداية التعليم الحكومي المجاني في أطراف واسعة في المملكة، شاهدنا النقلة الكبيرة (بالمعنى الاقتصادي) للأسر التي أرسلت أطفالها إلى المدارس. التعليم الرسمي والشهادات أهلت هؤلاء الأطفال للحصول على وظائف كان لها مردود اقتصادي كبير ومؤثر في حياة الأسر. هذا العامل في رأيي كان جوهريا في إقبال الناس على تعليم البنات، باعتبار أن نتائجه الاقتصادية كانت مباشرة وواضحة. الحديث السابق يؤدي إلى نتيجة أن الحصول على التعليم الأساسي شرط جوهري لتكافؤ الفرص. هذا شرط أصبح مقبولا ومتعارفا عليه. ولكنه في رأيي لا يكفي.

توفير التعليم الأساسي خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية لتوفير معادلة مقبولة لتكافؤ الفرص في المجتمع. ما نحتاجه هنا هو الحديث عن نوعية التعليم وعن الاحتياجات الإضافية التي يفترض أن توفر للأطفال الذين يعانون من ظروف أصعب من غيرهم. بالنسبة إلى نوعية التعليم فإن مضمون التعليم ذاته يلعب دورا أساسيا في مسألة تكافؤ الفرص. المضمون المنحاز لجماعة محددة في المجتمع يجعل الأمور أصعب على الأطفال الذين لا ينتمون إلى تلك الجماعة. على سبيل المثال، إذا كان مضمون التعليم يعبّر عن ثقافة الطبقة الاقتصادية الأعلى في المجتمع، دون غيرها، فإنه سيجعل من فائدة التعليم أقل بكثير لمن لا ينتمون لتلك الطبقة. مضمون التعليم الذي يعبّر عن ثقافة جماعة مناطقية أو مذهبية أو حزبية معينة، دون غيرها، يجعل من الصعب على الأطفال الذين لا ينتمون إلى تلك السياقات الاستفادة من ذلك التعليم. لذا فإن مضمون التعليم إذا لم يراع التعدد والتنوع العرقي والمذهبي والثقافي والاقتصادي في المجتمع فإنه قد يكون عقبة في وجه عدالة تكافؤ الفرص. الطفل السعودي من منطقة الجنوب إذا لم يجد في التعليم الذي يقدم له ما يعبر عن الظرف الجغرافي والاقتصادي والفكري والثقافي والفني، الذي تعيشه المنطقة، سيشعر بحاجز بينه وبين تعليمه يجعل من فرصه في النجاح والمنافسة أصعب من غيره. قس على ذلك الطفل كل الأطفال الآخرين، بكل تنوعاتهم، حين يجدون ما يتعلمون غريبا، وفي بعض الأحيان قاسيا ومؤذيا. بهذا المعنى فإن مبدأ تكافؤ الفرص، حتى بمعناه الاقتصادي الضيق، يجعل من المضمون الفكري والثقافي للتعليم عاملا جوهريا في تحقيق تلك العدالة. الانحيازات التي يسجلها ذلك المضمون ذات قدرة كبيرة على جعل فرص مجموعة من الأطفال أصعب وأقسى من غيرها.

العامل الأساسي الثاني هو ما يمكن التعبير عنه بمبدأ اللامساواة الإيجابية أو اللامساواة بقصد المساواة. الطفل المعاق جسديا مثلا، يستحق من منظور العدالة أن يقدم له أكثر من غيره من الأطفال. هذه الرعاية الزائدة تهدف إلى أن تجعل من فرص هذا الطفل أقرب للعدالة، مقارنة بغيره ممن لا يعانون ذات الظرف الصحي. ذات المبدأ يفترض أن يشمل الأطفال الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية غير مشجعة على التعليم. هؤلاء الأطفال يستحقون دعما إضافيا لتعليمهم يحاول أن يحد من الفجوة بينهم وبين غيرهم. هذا يعني استحقاقهم دعما إضافيا لتوفير تعليم أعلى جودة من خلال معلمات ومعلمين أكثر كفاءة ووسائل تعليمية على أعلى المستويات ومبان مدرسية آمنة ومساعدة على التعليم ونقل مدرسي ووجبات غذائية يومية. هذه الإمكانات تهدف لردم الفجوة الناتجة من أن كثيرا من الطلاب يعانون يوميا من معلمين أو معلمات لا يجيدون التعامل معهم، مدرسة لا توجد فيها تقنيات تعليم في عالم يدار بالتقنية، مبان مدرسية غير صالحة للحياة فما بالك بالدراسة، معاناة كبيرة في الوصول إلى المدرسة بسبب بعدها وعدم توفر وسيلة نقل، عدم قدرة الأسرة على توفير وجبة إفطار صحية للطفل يبدأ بها يومه الدراسي. الطفل من أسرة قادرة سيعمل ولي أمره على توفير ظروف أفضل ولكن الطفل من أسرة قادرة ليس له إلا إحساس مجتمعه بالعدالة.