قبل ميلاد السيد المسيح بسبعة قرون، قاد شخص غامض من إسبارتا في اليونان يدعى يكورجوس ثورة إصلاحات اجتماعية تهدف إلى المساواة بين الفقراء والأغنياء، فارضا على الجميع الخدمة في الجيش دون تمييز، وبعدها بقليل أطلق الأرستقراطي الأثيني كليسيثنس مشروعه الديموقراطي، الذي يشرك جميع المواطنين في السلطة السياسية، وأصبحت أثينا ديموقراطية بعد تطبيق إصلاحاته التي أطلق معها أيضا تلك "اللعنة" التي سترافقنا نحن العرب حتى اللحظة، وسأرجئ الحديث عن سبب استخدامي لهذا النعت قليلا.
إذا، المدن اليونانية هي الأسبق تاريخيا في إحياء النظام المديني "الدويلات اليونانية أو دول المدينة" سواء توقف بعضها عند نظام سياسي واحد، أم مرّ البعض الآخر بعدد من الأنظمة وصولا إلى النظام الشعبي أو الديموقراطي.
أما روما، فكل الطرق تؤدي إليها، وتنبثق منها أيضا، حيث شهدت المدينة التي أحرقها نيرون ذات جنون أول وأقدم نظام جمهوري في العالم، مطورة بذلك ما بدأته أثينا وانتقلت العدوى منها إلى مدن مثل فلورنسا والبندقية في نهاية العصور الوسطى.
وها هو عصر النهضة يشهد تطورات سياسية لافتة مثل "أمير" مكيافيلي، والجمهورية البريطانية، إلى أن اهتزت جدران الباستيل عام 1789 على قرع طبول الجمهورية الفرنسية، فالأميركية، فغيرها من جمهوريات غربية، وصولا إلى لبنان العالم العربي عام 1943، ثم سورية عام 1946، وبعدها كرت حبات السبحة وحبات اللعنة.
لقد تفوقنا ـ نحن العرب ـ على جميع الفلاسفة والمفكرين في ابتكار أشكال جديدة للجمهوريات، جعلت عظام جان بودان ومونتسكيو ترتجف في قبريهما، وأعلنتنا سباقين في ميدان الفنتازيا الديموقراطية!
وأبدعت أحزابنا القائدة جمهوريات من الورق المقوى بالوهم، دساتير مكتوبة بماء، برلمانات من دمى متحركة، شعوبا من خبز، ورؤساء من شجر دائم الخضرة، لا جفاف ولا اصفرار ولا خريف لأوراقها. فالأبدية والشباب الدائم سرها وقدرها وقدرنا الأسود "رؤساء" أزليون، مطلقون، تاريخيون، فريدون، عصيون على التغيير، رغم أنف الجمهورية، ولتذهب عظام بودان إلى الجحيم.
لقد ضحكوا علينا، سخروا منا، صاغوا دساتيرهم، وصاغوا معها موتنا وخديعتنا التاريخية الكبرى.
وفي واحد من فصول الخديعة، خرج شعب كان يعيش في بلد "جمهوري" اسمه سورية راغبا في نيل الحرية، معتقدا بحقه الدستوري في تطبيق أسس الجمهورية المشتهاة، وتغيير الرئيس اللاشرعي، الوارث للسلطة، عبر دستور مزور، من أبيه "الرئيس" الأوحد على مدى ثلاثين عاما، فمات الحلم وماتت العدالة وماتت الجمهورية ومات الشعب.
وحده الوريث بقي حيا، يقرأ كتاب الجمهورية على تلة من جماجم ورؤوس مقطوعة وموتى وأرامل وسبايا.
هذه هي الحكاية، أرويها لكم أنا السورية، الطالعة من أتون بلد غارق حتى الماء الأخير في مستنقع الديكتاتورية والعنف والموت والفوضى والاستعار الطائفي والشتات؛ لأن فيه شعبا أراد حريته وصدق كذبة الجمهورية.
وها أنا بنت "الجمهورية" على مدى أربعين عاما، أعلن وأنا بكامل قواي العقلية أنني أؤيد الأنظمة الملكية وأمتدحها، ليس رغبة في المديح، بل لأني ـ وبعد كل هذا الموت السوري الأسود ـ بت أؤمن أن الأنظمة الملكية تتسق تماما مع سيكولوجيا قدرنا وسيكولوجيا الحكام العرب دعاة التقدمية.
كفانا كذبا، كفانا نفاقا وزيفا، كفانا ادعاء، كفانا أوهاما.
وطالما أن رؤساءنا وأبناءهم، وربما أحفادهم يرثون السلطة جيلا بعد جيل، عبر دساتير مغتصبة، ويرفضون التنحي حتى لو أحرقوا روما وأثينا وأسبرطة والشام والجزائر وفلسطين، فلنعلن معا دون خجل رغبتنا بإقامة أنظمة ملكية بدل الجمهورية.
هكذا، على الأقل قد نحظى بملك يكون عادلا، ملك لا يخدعنا بمسميات الكلام وشعارات الديموقراطية والوحدة والحرية والاشتراكية، ملك يبقى على الكرسي مدى الحياة حسب القوانين الملكية المرضية من الجميع، لا حسب برلمانات زائفة تعدل دساتيرها بدم الشعب الضحية صاحب السلطة المطلقة في الموت على قارعة الحرية.
فلنكن ملكيين أكثر من الملك، وليكن الملك ملكيا قدر ما يشاء.
وتبت روما، الجمهورية..
وتبت أكاذيب ملوك العرب الجمهوريين، رواد الشيزوفرينيا السياسية.