يذهل من يتتبع الكم الكبير من الدراسات الأكاديمية التي تضخها كليات العلوم الإنسانية والآداب في الجامعات السعودية، ومع ذلك لا تجد المثير للاهتمام والمضيف للساحة الثقافية، إلا النادر جدا. فمعظمها تلوك كتب التراث التي أشبعت تحقيقا ودراسة، وحتى تلك التي تتناول المنتج الفكري والأدبي المعاصر، الكثير منها يتوشح بعناوين براقة، لكنها في المضمون لا تبحث عميقا، بل كل ما فيها نقل لآراء آخرين.
ما أريده هنا ليس نقاش موضوع هذه الدراسات "الإنسانية"، فهو موضوع شائك ومتشعب. لكن ما أتمناه وما أبحث عنه هو دراسة أو بحث علمي دقيق وصارم في المنهج، يتتبع التأثير الحقيقي لـ"الأيديولوجيا الحزبية" في تغييب الكثير من الكفاءات العلمية والإدارية وحتى الثقافية، عن الأماكن التي تستحقها، فالملاحظ أن بعض الكفاءات الإدارية والإبداعية التي كان من الممكن أن تبدع في مجالها، ذهبت ضحية عدم تماهيها مع الفكر الأيديولوجي السائد حولها، سواء في القطاع نفسه، أو خارجه، على الرغم من نجاحها الكبير، فيما يوكل لها من أعمال بشهادة الجميع.
لا شك أن هذه المشكلة لا تتعلق بمؤسساتنا المحلية، سواء التعليمية أو الثقافية أو حتى الجمعيات الأهلية الخيرية والتطوعية فقط، فمن ينظر لخريطة العالم العربي والإسلامي، يجد هذا الأخطبوط الأيديولوجي، يتمدد في كل شرايين تلك المؤسسات، وخصوصا في البلدان التي تشهد توترات طائفية حادة مثل العراق وسورية. لكن ما يهمنا هنا في وطننا، هو أن لا نصل إلى تلك المرحلة الخطيرة التي لن تكون نتيجتها إلا تفجير المجتمع وتقسيمه. ولذلك فمن الأهمية القصوى، وجود مشروع مدعوم ماليا ومعنويا من قبل جهات عليا في البلد، لدراسة مدى تغول هذه الظاهرة في مؤسساتنا التعليمية والثقافية والاجتماعية، والأخذ بنتائجها، في بناء أنظمة وقوانين عاجلة تحد من "التحزب الأيديولوجي"، إن ثبت أن له تأثيرا كبيرا في إبعاد بعض المبدعين في مجالاتهم المختلفة، عن الأماكن التي يستحقونها، التي يخدمون من خلالها الوطن بأكلمه، دون تمييز عنصري أو طائفي أو قبلي. لأن هذا الهاجس بدأ يسري في أحاديث الكثير من المهتمين بالمجالات الاجتماعية، بل إن هناك حالات ملموسة يمكن أن يفتح حولها مزيد من النقاش وربما التحقيق.