كل أفعال وردات الأفعال التي تصدر من الإنسان تبنى عادة على ما يكتنزه من أفكار جلبها من تفاعله مع محيطه الاجتماعي، وفي مرحلة متقدمة يمكن أن تكون هذه الأفكار نتيجة تجارب ذاتية. ولأن البنية المعرفية لمجتمعاتنا ما زالت هشة تقوم على التثاقف الدائري البسيط الذي لا يتجاوز التفاعل الشفهي (النقلي) والتقليد، فإن مرحلة الاستقصاء الذاتي والتحليل المنطقي الذي ينتج وعيا ينعكس على السلوك اليومي، لم تتبلور بعد لأسباب كثيرة لعل أبرزها أساليب التعليم والتلقي البدائية.
وهنا أعتقد أن ما يحدث في شوارعنا من ممارسات قد تصل إلى الشغب والتخريب، في مناسبة مثل اليوم الوطني، أحد أوجه التثاقف الاجتماعي الدائري الذي يبنى على التقليد والمحاكاة، زد عليها مبدأ "استغلال الفرص" الذي أصبح لدى الكثيرين من علامات "النجابة".
إذن فالمساءلة لا تتعلق بالشباب وحدهم، لكنها سلوك عام، تحول إلى ثقافة اجتماعية قشورية، تلمع السطح، وتهمل ـ عمدا في بعض الأحيان ـ الجذور الأساسية. وكما تحول فكر التطرف إلى إرهاب نتيجة التساهل في تقويم الاعوجاج الذي ساد في العقود الماضية، فإنني أعتقد أن العلاج السطحي لظاهرة تحول مناسبة اليوم الوطني إلى "فرصة" للعربدة والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، سيزيد الأمر تعقيدا في السنوات المقبلة، مع بقائنا نردد حروف الاستفهام المعتادة "لماذا حصل هذا؟ وما السبب؟ وما الحل؟"، والتي رددناها كثيرا عندما ضرب الإرهاب المجمعات السكنية التي يقطنها الآمنون.
وبقدر ما كانت تجربة التعامل مع الجماعات الإرهابية تجربة شاقة ومكلفة، إلا أن الحلول الأمنية والفكرية التي حجمت نشاط هذه الجماعات وأجبرت قادتها ومنظريها للهروب للخارج، تجربة مهمة، يمكن الاستفادة منها في علاج مشكلة الفوضى التي يمارسها بعض الشباب تحت ستار الاحتفال باليوم الوطني، مع يقيني أن معظم من يمارسون هذه الفوضى لا يعرفون متى تم توحيد المملكة، فما بالك بما فوق ذلك؟.
وهنا أقترح أن نبدأ بعلاج أفكار هؤلاء من خلال الدخول إلى أعماق تجمعاتهم وذلك بالجوائز والمحفزات لمن يكون مجموعة تطوعية للمحافظة على الأماكن العامة مثلا، وصيانتها في حال تعرضت لأي تخريب، وبتنظيم لقاءات جماهيرية حرة لهؤلاء الشباب تناقش الهدف الحقيقي من الاحتفال بهذه المناسبة. فالكلمات والخطب الإنشائية التي تحفل بها وسائل إعلامنا، لم تعد من أدوات العصر التي يتفاعل معها الشباب، ويجب إعادة النظر فيها بجدية أكثر. وكما أدى الحزم الأمني دوره في مكافحة الإرهاب، لابد أن يعطى هنا مساحة أكبر لضبط أي تجاوز تجاه الممتلكات العامة أو الحرية الشخصية للآخرين، تحت أي غطاء حتى وإن كان الاحتفال باليوم الوطني.