حضرت في مدينة جنوى في إيطاليا مؤتمرا للطفولة، وميز المؤتمر أمران: الأول جدّة الأبحاث التي ألقيت فيه، والأمر الثاني مكان المؤتمر، حيث تبرع أحد الأثرياء بسفينته التي تستخدم للرحلات البحرية "كروز" وتتكون من فندق وأربعة مسابح وأسواق وأندية ومطاعم وإلى غير ذلك من وسائل الترفيه، وكانت في عرض البحر ما ميز هذا اللقاء وجعل مكانه مختلفا ومساعدا على نجاح المؤتمر.

الأبحاث والدراسات التي ألقيت فيه عديدة وجديدة ومميزة لكن ما لفت انتباهي نتائج مذهلة في بحث ألقاه أستاذان من الولايات المتحدة الأميركية ووثقاه في كتاب أعمل أنا وأحد الأساتذة على ترجمته لأهميته البالغة بعد أن استأذنت المؤلفان ودور النشر في ذلك، وسيخرج الكتاب باللغة العربية قريباً بإذن الله. فحوى الكتاب أنه يؤكد بالشواهد أن شخصية الطفل تبدأ في التشكل منذ ولادته. بمعنى أنه يتأثر بما حوله من الوالدين أو غيرهما منذ الولادة، بمعنى أن الطفل إذا عاش في بيئة فيها عنف ممن حوله من الوالدين أو غيرهما سيكون ذلك الطفل عنيفا في سن الرجولة وربما كان مجرما يُسقِط كل ما حدث له من عنف أثناء حضانته، على من هم حوله في الكبر (في سني الشباب والرجولة). ولهذا تقترح الدراسة أن التخلص من ذلك يأتي بالتعرف على ما يتعرض له الأطفال في سن الحضانة، أي منذ الولادة ثم يقدم لهم الإرشاد والتوجيه Counselling حتى يتم تعديل شخصياتهم وبالتالي سلوكهم. هذه نتائج مذهلة لم يتنبه لها أحد، ولم يعرفها أحد في السابق، إذ كنا نظن أن الطفل في سن الحضانة ومنذ ولادته لا يستطيع إدراك -فضلا عن اكتساب- كل ما يحدث حوله، وتبين أن هذا خطأ يتطلب منا التعرف بدقة على الأطفال الذين يعيشون في بيئات فيها عنف من قبل الوالدين، هذا أمر مهم وفق الدراسة، فسنوات الطفل المبكرة هامة جداً، لأنها توفر الأساس لباقي سنوات العمر، في المراهقة والرشد. فهؤلاء الأطفال الذين حظوا بتنشئة طيبة يستطيعون العيش على نحو حسن، ويصنعون مجتمعات أفضل لهم.

وهناك بعد آخر لحياة ناجحة للطفولة وهو البعد الاقتصادي لأن التباينات الاقتصادية واضحة في مستوى ما يقدم من رعاية للطفولة المبكرة، حيث يلعب الفقر دورا سلبيا كبيرا في تنشئة الطفل، بل إن الفقر يرتبط مع مؤشرات اجتماعية سيئة، خصوصا للأطفال الفقراء. إذ بدون الغذاء الأساسي، والرعاية الصحية، والاستثارة اللازمة لتحقيق نمو صحي، فإن كثيراً من الأطفال الفقراء يدخلون المدرسة وهم ليسوا مستعدين للتعلم. ويكون أداء هؤلاء الأطفال في صفوفهم سيئا، ويرسبون فيها، ويتسربون من المدرسة بمعدلات عالية. بل إن ظروفهم عندما يدخلون العمل تكون سيئة، فلا يكسبون إلا أقل الأجور، وينقلون فقرهم إلى أطفالهم. وليست منح الأطفال فرصة وأمرا حيويا لمواجهة أسوأ آثار الفقر، وحسب، بل إنه يمكن أن يكون، أيضا، طريقة فعالة لكسر حلقة الفقر المفرغة العنيدة التي تنتقل عبر الأجيال.

تُستهدف جوانب الفقر الأساسية عندما تصوغ الجماعات المهتمة بالتطور أهدافها بالنسبة للتطور العالمي، والعالم الآن يحاول الوصول إلى هدف أساس وهو: تقليل أعداد الناس الذين يعيشون في فقر مدقع بمقدار النصف بحلول 2015، وتضاؤل بمقدار الثلثين في معدل وفيات الأطفال دون خمس السنوات، والحد بمقدار ثلاثة أرباع من وفيات الأمهات، وتوفير تعليم ابتدائي شامل للجميع بحلول عام 2015، والتساوي بين الجنسين في التعليم بحلول العام ذاته، ووضع استراتيجيات مطمئنة للنمو المستمر في العام ذاته، وضمان عكس اتجاه الخسارة الراهنة في الموارد البيئية عالميا في العام 2015.

الأهداف في الفقر، والصحة والتربية تدعم بعضها بعضاً. فالتعليم يقلص من الاختلافات بين الفقراء والأغنياء، ولكن هذا لن يحدث إلا إذا تمتع الأطفال بفرص متساوية للاستفادة من التعليم. يتطلب تحقيق أهداف التربية الابتدائية الشاملة، أن يُمنح الأطفال فرصة عادلة للاستفادة من المدرسة. وفي المجتمعات التي لا تتوافر فيها المساواة والتي تشيع فيها مستويات عالية من الفقر، فإن مجرد اللعب -حتى في عمر السادسة، أو عندما يدخل الأطفال المدرسة- سيغدو غير عادل بالنسبة للأطفال الصغار. أما إذا حدث تدخل مبكر، فإن برامج تطور الطفولة المبكرة تقدم لكل الأطفال إمكانية الاستفادة تماماً من المدرسة، والنجاح في سوق العمل.

150 مليونا من الأطفال ممن هم في سن المدرسة الابتدائية ليسوا في المدارس، ومعظم هؤلاء من الإناث. ثمة 150 مليون آخرون يبدؤون دراستهم الابتدائية ولكنهم يتسربون قبل أن يتموا أربع سنوات من التعليم. يجب أن نعلم أنه قد صُنع الحاضر من الماضي، وها هو المستقبل يصنع في الحاضر. لقد أحس العلماء المتخصصون منذ زمن بعيد بأهمية مرحلة الطفولة فمن "شبَّ على شيء شاب عليه" و"العلم في الصغر كالنقش في الحجر" وانشغل علماء النفس منذ مطلع القرن الماضي بتأكيد أهمية السنوات المبكرة في حياة المرء في تحديد شخصيته وآفاق نموها. وخلاصة القول إن نتيجة الدراسة الجديدة تقرع ناقوس الخطر لتنبهنا بما يجري في بيوتنا من ممارسات تؤثر على مجتمعنا، ولهذا لا بد من التعامل معها بعد معرفتها. والأمر الآخر العامل الاقتصادي ذو التأثير الكبير على شخصيات الأطفال. أمران مهمان لا بد من أخذهما في الاعتبار عند تقييم استراتيجية الطفولة في أي بلد وتضمينهما تلك الاستراتيجية حتى تنتج عنها برامج تقضي على مشكلات هذين العاملين المؤثرين بشكل كبير على تربية الأطفال ونمو شخصياتهم بشكل يجعلهم رجالا صالحين في أي مجتمع.