يصف الأمير خالد الفيصل، طبيعة عسير، وساكنيها، فيقول: "ما إن وصلت إلى عسير حتى وجدت عناصر كثيرة تشدني لحبها من أول نظرة؛ فرجالها يتحلون بالكرم والشجاعة وعفة النفس، والطبيعة خلابة: جبالها خضراء، وغاباتها كثيفة ممتدة، ومزارعها مدرجة ومنبسطة، وجوها بديع.. يجمع بين مناخ الصيف المعتدل في سرواتها، ومناخ الشتاء الدافئ في تهاماتها، وسحابها تتماوج ألوانه.. يحمل بين طياته أمطارها الصيفية – غالبا – وكأنها على موعد لا تخلفه، يغسل ماؤها وجه المدن والقرى.. تسطع شمسها من جديد في منظر أخاذ يعقب أمطارها.. تسيل وديانها فينبت العشب الأخضر على ضفافها، ويكسو الزهر بألوانه البديعة أرجاءها".

الوصف السابق يصور جَمالَ القمم المأهولة بالغيم، وهاماتها المسكونة بشجر "العرعر"، وما ينبت في رحابه من: "شث"، و"جبر"، و"عثرب"، و"حبق" وكل ما يسر الناظرين الأسوياء اخضرارُه، "خصوصا وأن الأمير نفسه، وهو السعوديّ، تفاجأ بجماليات المكان"، حين يقول: "وكانت مفاجأة لي شخصيا مع أنني ابن الوطن! فما رأيته من عوامل الجمال هنا كان جديدا، ليس على رؤيتي فقط، بل على سمعي؛ ذلك أن جمال الطبيعة والمناخ في عسير، لم يكن قد وصل صيتهما بعد إلى أنحاء المملكة إلا قليلا".

هذا الوصف، يكشف عن العلاقة الحميمية بين الأمير: القادم من خارج المكان، والمكان، ويشف عن الإحساس الإنساني والجمالي والثّقافي بالطبيعة، مما يفسر كون العلاقة بينها والساكنين، تتسم بالحميمية التي تحول عناصر الطبيعة إلى كائنات حبيبة، تُسمى كما يُسمى الأبناء، وتُشرع لأجلها قوانين الحماية، وهو ما أشار إليه الباحث عبدالرحمن آل حامد حين قال: "ولا شك أن تعامل المجتمع في إقليم عسير مع البيئة، كان مثالا للتعامل الحضاري الذي لا ترقى إليه أفضل النظم البيئية الحالية. فقد كان السكان يتعاملون مع بيئتهم بصداقة وحميمية نادرة، وكان التعامل معها بوصفها كائنا حيا ذا قيمة معنوية عالية"، وقد أورد عددا من الوثائق التي يتعاهد موقعوها على عدم المساس بـ"الأشجار"، وعلى احترام "الأودية"، وتضمنت بعضها عقوبات مغلظة على من تمتد إلى الطبيعة "يده"، وذلك قبل وجود "الجرافات".

وقد لاحظ هذه الحميمية الباحث المصري د. ربيع عبدالعزيز، وعلى الرغم من أنه لم يزر منطقة عسير، إلا أن الشعر العسيري نطق له بذلك، حتى قال: "إن موصوفات كثيرة تكتسب في الشعر العسيري صفات إنسانية"، وقال عن شعر عسير: فيه تتحلى الأشياء بصفات إنسانية، فإذا النور يلثم الأزهار، وإذا الصبح يغفو ويتعثر، وإذا الماء يصفق ويجثو".

يتشعب القول في العلاقة بين: "الإنسان الحقيقي"، والبيئة، وهو يفضي – على الدوام – إلى أن للطبيعة "حرمة" لا يحق لأحد استباحتها، بأي حجة، وتحت أي ذريعة.

والخلاصة: أن "التنمية" التي تعتدي على "تنمية" الخالق – سبحانه – بإجحاف، هي أبعد ما تكون عن التنمية، مهما "تقوّلَ" ذوو الأقاويل، ومهما تضمنت "عرائض" الدفاع من حجج، هي أوهى من فكر متحيز: "وما أنا إلا من غزية....".. ومشكلة "غزية"، أنها "لم ترشد قط، ولن"!