من محاسن الصدف أنه صدر قبل أيام نظام حماية الطفل في السعودية في الوقت الذي نفكر فيه نحن هنا ومنذ أسابيع، في قضايا حقوق الطفل. صدر النظام حسبما نشرت الصحف، في ست وعشرين مادة ولم تصدر بعد اللائحة التنفيذية للنظام.

اختار صائغو النظام تعبير "حماية" الطفل لهذا النظام للتعبير على ما يبدو عن الطبيعة الوقائية لهذا النظام، أكثر من كونه نظاما إيجابيا أو مبادرة لتأسيس حقوق الطفل، وإن كانت الفقرة الرابعة في المادة الأولى نصت على أن النظام يسعى إلى نشر الوعي بحقوق الطفل وتعريفه بها، وهنا يظهر بروز الجانب الوقائي، ما يرتبط بحمايته من الإساءة والإهمال. بشكل عام النظام خطوة للأمام من جهة كونه تشريعا قانونيا يضع المواطنين والجهات الرسمية أمام مسؤوليتهم النظامية لحماية ورعاية الأطفال في السعودية. في هذا المقال ملاحظات سريعة على هذا النظام تتركز غالبا على علاقته بالتعليم، على أمل عودة تفصيلية في المستقبل.

وضع النظام تعريفا للطفل باعتباره كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة وهذا تعريف معقول جدا ويتوافق مع كثير من التعريفات العالمية ويشمل تقريبا كل من يتعارف عليهم المجتمع بأنهم أطفال. هذا التعريف مهم لأنه يشمل تقريبا كل الطلاب والطالبات في المدارس حتى في المراحل الأخيرة من التعليم الثانوي، مما يجعل التعليم بمراحله كافة موضعا مهما لتطبيق هذا النظام واختباره. نقطة أخرى جوهرية في النظام أنه عام لكل الأطفال، بمعنى أنه يشمل الأطفال السعوديين وغير السعوديين، وهذا أمر مهم جدا لأنه لا يجب التمييز بين الأطفال حسب الجنسية أو غيرها من المعايير التي لا خيار للطفل فيها. في المقابل، هذا النظام سيجعل منفذي النظام والمجتمع ومؤسساته عموما أمام قضايا جوهرية من ضمنها الموقف تجاه فئة مهمة جدا وهي أطفال المقيمين بطريقة غير نظامية. هؤلاء الأطفال أمام مشكلة كبيرة وهي أن نظام التربية والتعليم لا يسمح لهم بالدراسة في المدارس الحكومية بسبب الوضع اللاقانوني لأهاليهم، ومن جهة أخرى فإن نظام حماية الطفل يجعل بقاءهم بدون تعليم مخالفا للنظام الجديد. ربما تحتوي اللائحة التنفيذية على حل لهذه المعضلة ولكن من المهم أخذ هذه القضية بعين الاعتبار. الالتزام الأخلاقي الواجب على المجتمع السعودي يجعل من عنايته بهؤلاء الأطفال ورعايته لحقوقهم رغم الظروف التي يعيشها أهاليهم، أمرا ضروريا. ليس من العدل أن يعاقب الطفل على سلوك ارتكبه شخص آخر حتى ولو كان والده.

من إيجابيات النظام كذلك أنه جعل الإهمال شكلا من أشكال العدوان على الطفل. بمعنى أنه ليس فقط السلوك الناتج عن فعل هو ما قد يهدد حقوق الطفل، بل كذلك فعل الترك والإهمال. من ضمن أمثلة الإهمال عدم تعليم الطفل. المقصود بالتعليم هنا التعليم المتعلق بالقراءة والكتابة.. إلخ، مما عرف بالتعليم الذي تقدمه المدارس. السؤال هنا: هل تعليم الطفل يعني بالضرورة إرساله إلى مدرسة؟ بمعنى ماذا عن أب أو أم يقوم بتعليم الطفل في المنزل؟ هذا الطفل يجيد القراءة والكتابة والحساب.. إلخ. هل يكفي القيام بهذه المهمة ليكون الوالدان خارج المسؤولية القانونية أم أن النظام سيشترط في لائحته التنفيذية الدراسة في المدارس؟ شخصيا أعتقد أن الذهاب للمدرسة وسيلة وليس غاية. منفذو النظام يستطيعون توفير أدوات للتأكد من تعلم الطفل لا تتطلب ذهابه إلى المدرسة. لقاءات دورية مع الطفل يقوم بها تربويون تكشف مدى التزام الأهل بتعليم طفلهم حتى ولو لم يذهب للمدرسة.

قضية مهمة أخرى نصت عليها المادة الثالثة متعلقة بالتمييز، حيث اعتبرت المادة التمييز ضد الأطفال لأي سبب عرقي أو اجتماعي أو اقتصادي، إساءة يعاقب عليها القانون. هذا يعني أن حرمان طفل من حقوقه لأنه ينتمي لعرق معين أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية معينة، يعد تجاوزا يعاقب عليه القانون. هذا القانون سيوفر حماية للأطفال السعوديين أو غير السعوديين من أعراق غير عربية أو الأطفال من أسر فقيرة أو مصنفة اجتماعيا أدنى من غيرها. هذا النص مهم جدا لأننا نعلم أن تجاوزات كثيرة تنتج عن هذه التمييزات. على سبيل المثال تجربة الطفل السعودي أو غير السعودي من أصول أفريقية لا يمكن فهمها دون فهم التمييز العرقي الذي يتصرف من خلاله بوعي وبدون وعي كثير من الناس. ذات المنطق ينسحب على التصنيفات الاجتماعية حضيري/قبيلي، حضر/بدو والتصنيفات الاقتصادية غني/فقير. من عمل في المدارس يعلم أن هذه التقسيمات تؤثر كثيرا في المعاملة التي يتلقاها الطفل من مدرسيه ومن أقرانه.

في المقابل، هناك أسباب أخرى للتمييز لم يضعها النظام ضمن معاييره، كالتمييز لأسباب دينية أو أسباب مذهبية أو أسباب جنسية. في السعودية هناك أطفال مقيمون ينتمون لأسر غير مسلمة. هل كونه غير مسلم يبرر التمييز ضده؟ كذلك السعودية تحتوي مذاهب مختلفة فهل التمييز ضد الأطفال لأسباب مذهبية مقبول بحسب هذا النظام؟ التمييز بين الأطفال الذكور والإناث هل يدخل ضمن التمييز المقبول بحسب النظام؟ ماذا لو قرر أب ما منع ابنته مثلا من التعليم المتوسط والثانوي بحجة أن المرأة لا تحتاج إلى هذا التعليم؟ زواج الصغيرات قضية ومشكلة أخرى. أعلم أن هذه القضايا إشكالية جدا في الجدل المجتمعي ولكنني أعلم أيضا أن هذه الأسباب تؤدي في كثير من الأحيان إلى هضم حقوق الأطفال، وبالتالي فإن نظاما معنيا بحماية الطفل يحتاج أن يكون واضحا وصريحا في مثل هذه القضايا. لعل اللائحة التنفيذية توضح موقف النظام من القضايا السابقة، ولنتذكر دائما أن الحالة الطبيعية للأنظمة أن يتم تطويرها وتحديثها باستمرار وأن تطبيقها هو ما سيساعد على كشف الفجوات التي قد تحتويها تلك الأنظمة.