عندما رفع مشيعو ضحايا العملية الإرهابية بقرية الدالوة بالأحساء صور رجال الأمن الذين استشهدوا أثناء عمليات القبض على الإرهابيين الذين أطلقوا النار على الأبرياء، قالوا بصمت: إن دماء ضحايا الوطن الذين قتلهم الإرهابيون واحدة وإننا جميعاً بكل طوائفنا ضد الإرهاب وضد كل من يمس الوحدة الوطنية ويسعى لتفتيت النسيج الاجتماعي وتدمير السلم الأهلي الذي ننعم به جميعاً، والذي يعتبر مكتسباً وقاعدة أساسية للتعايش والنمو بكافة أبعاده.

ردة الفعل الاجتماعية وردة فعل أهل الضحايا إضافة لردة الفعل الرسمية تبشر بالخير وتثبت أن المجتمع السعودي عصي على الإرهاب والتطرف والفوضى، وأن النسيج الاجتماعي متماسك بكافة مكوناته وأن وطننا ينعم بحصانة كافية للتضييق على مستهدفيه من أصحاب المؤامرات الدنيئة التي تستهدف وحدته ومقدراته ومكتسباته وتنميته.

في أكثر من تصريح له يقول الأستاذ فيصل بن معمر نائب رئيس مجلس الأمناء الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ما مفاده "أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما أعلن تأسيس مشروع الحوار الوطني كان يطمح لأن يصبح الحوار من طباع المجتمع السعودي وأسلوب حياة".

رؤية الملك "أن يصبح الحوار من طباع المجتمع السعودي وأسلوب حياة" يجب ألا تمر على قارئها أو سامعها مرور الكرام، نعم فالملك "وهو السياسي" الذي يريد أن يكون الحوار من طباع شعبه، ملك على قناعة تامة أن الحوار هو السبيل الأوحد للاستقرار والوئام بين كافة فئات المجتمع، وللعلاقة الوثيقة بين الحاكم والمحكوم بخلاف الكثير من الساسة الذين يظنون أن الصراع بين فئات المجتمع هو السبيل الأمثل لسيطرة الحاكم على المحكوم.

إذن نحن أمام فلسفة فكرية سياسية مختلفة تنطلق من ملك يريد أن يلتحم مع شعبه بكافة فئاته العرقية والطائفية والمناطقية والفكرية لتحقيق الاستقرار والعمل لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والمتوازنة التي سينعم بها الجميع وينمو بها الوطن بالمحصلة، وهي دون أدنى شك فلسفة تعزز الحب والاحترام بين الشعب وقيادته من جهة وبين كافة فئات المجتمع من جهة أخرى، الأمر الذي يزيد من حصانة المجتمع ضد أي تدخلات أجنبية لاختراقه وخلخلته وتفتيته.

والسؤال لماذا عندما يصبح الحوار طبعنا تزداد الحصانة والاستقرار والنمو؟ الإجابة كما يقول من جربوا الحوار إن مآلاته ضبط النفس وترويضها على قبول النقد وحسن العرض والاستماع والتواضع واحترام آراء الآخرين وتقبلهم والتخفيف من مشاعر الكبت وتحرير النفس من الصراعات والمشاعر العدائية والمخاوف والقلق، ومن فوائده أنه أفضل الوسائل الموصلة إلى الإقناع وتغيير الاتجاه الذي قد يدفع إلى تعديل السلوك، فالحوار وسيلة بنائية علاجية تساعد في حل كثير من المشكلات قبل تفاقمها بشكل يضر المجتمع والوطن.

وبكل تأكيد عندما نعرف تلك الفوائد بممارسة الحوار ونزيد مهاراتنا في ممارسة هذه القيم والمفاهيم سنصبح شعباً واعياً حصيناً يصغي للفهم لا للرد، فيفهم ويتفهم ويبحث عن المزيد من المعرفة ويصبح أكثر وعيا وتواضعاً ومرونة واحتراماً للآخر وأكثر قدرة على التعايش مع مخالفه في إطار المواطنة والأهداف التنموية المشتركة، حينها يرفض التشدد والعنف والتطرف والتكلس والتعصب للرأي، وبالتالي ينحسر بيننا مكان المتعصب والمتطرف والإرهابي ليجد نفسه مرفوضا ومنبوذا اجتماعيا.

من فضل الله ونعمته أجد تحولا كبيرا في وعي أكثر الشباب السعودي بكافة فئاتهم تجاه احترام الآخر وخياراته ونبذ ثقافة التعصب والازدراء والاحتقار، وإن كانت هناك ثلة ما زالت ترى أن التمايز والتدابر والتنافر من شرع الله وهو ليس كذلك، إذ إن الله أمرنا أن ندعو بالحسنى، ولا حسنى دون تواصل وتحاور في إطار المحبة، فمن يريد أن يهدي أحداً عن ضلالة لا بد وأنه يحبه ويريد له الخير والصلاح وإلا لما دعاه لما يظن أنه خير.

سرني وسم (#الحوار_طبعنا) الذي أطلقه بعض المواطنين بالتزامن مع انطلاق أكثر من وسم بعد الحادثة الإرهابية بالأحساء، إذ إن هذا الوسم يؤكد أن الدواء الشافي للإرهاب المادي الذي يلي التطرف الفكري هو الحوار، وأن الحصن الحصين الذي يحمي المجتمع من الصراعات المدمرة هو الحوار، وأنه كلما كان الحوار طبعنا كنا في حالة من الحصانة الاجتماعية العالية التي تحمينا جميعا وتحمي مقدراتنا، وتجعلنا في بحبوحة من الأمن والعيش الرغيد، إخوة متحابين متعاضدين لتحقيق الأهداف التنموية لبلادنا.

هذا الوسم وغيره يجب أن ينتشر من قبل شبابنا، يجب أن يناقش كيفية وأهمية استجابة المواطنين بكافة فئاتهم لرؤية الملك عبدالله بن عبدالعزيز بأن يكون الحوار طبعا من طباع المجتمع السعودي وأسلوب حياتهم، نعم علينا أن نفكر جميعاً وندلي بدلائنا في هذه القضية المهمة والحيوية بل والمصيرية في هذه الظروف المحيطة بنا، علينا أن نستمع من الصغير والكبير ومن كافة مناطق المملكة، علينا أن نتحاور في هذا الوسم كيف نستجيب كشعب لنحقق رؤية الملك ورغبة كل مواطن غيور على بلاده في أن يكون الحوار طبعنا لننعم بفوائده جميعا، وأظن أنه على مركز الحوار الوطني أن يتبنى آلية لاستقطاب آراء الشباب بشأن جعل الحوار طبعاً من طباعنا لنخرج من أفكار النخب إلى أفكار كافة فئات الشعب وأعماره وأنا على يقين أننا سنجد أفكارا إبداعية في جو من المحبة والاحترام. كذلك للشباب مطالب نأمل بالمقابل محاولة تلبيتها، فوفق إحصائيات وزارة الداخلية فإن 80% من شعب المملكة تحت الأربعين.

خلاصة القول: إن رؤية الملك الصالح تتطلب استجابة شعب صالح بشكل متسارع ودون تأخير، وكلي ثقة أن كافة أجهزة الدولة المعنية بالحوار وكافة كتل المجتمع التطوعية ومشاهيره وأفراده كل من موقعه سيبذلون كل جهدهم في المشاركة لطرح الأفكار الذكية لتحقيق رؤية الملك التي ستفضي لمجتمع حصين ضد الفتن ومثيريها.

اللهم احفظ بلادنا وشعبنا من كيد الكائدين.