تضمن تقرير ديوان المراقبة العامة حول فحص حسابات مديرية الشؤون الصحية بمنطقة المدينة المنورة وجود تجاوزات ومخالفات مالية تتمثل في صرف رواتب وبدلات لعدد من الموظفين المبتعثين إلى الخارج، بالإضافة إلى استمرار صرف بدلات الندرة والضرر والعدوى للموفدين للدراسة في الداخل، وكذلك صرف بدل عدوى لفني مختبر يعمل في العلاقات العامة، وصرف رواتب لصيدلي مقيم رغم انتهاء عقده منذ 31 شهرا.
ربما يعتقد البعض أن الملاحظات السابقة تمثل مخالفات مالية جسيمة تسيء إلى سمعة المديرية والوزارة في آن واحد، وما دروا أن تلك الملاحظات ما هي إلا صك البراءة المالية للصحة!
فعندما تتركز مراجعة الديوان لحسابات المديرية على الملاحظات السابقة فقط، فهذا يعني أن آلاف المستندات المالية هي سليمة من الناحية النظامية والقانونية ما عدا الملاحظات المذكورة فقط في تقرير الديوان سالف الذكر.
فوفقاً للفقرة (1) من المادة (الثامنة) من نظام الديوان، فإن من مهامه التحقق من أن كافة مصروفات الدولة قد "تمت وفقاً لأحكام الميزانية السنوية وطبقاً للنظم واللوائح الإدارية والمالية والحسابية النافذة"، وكذلك الفقرة (3) من المادة نفسها التي تنص على أنه يجب على الديوان "التحقق من أن كل جهة من الجهات الخاضعة لرقابة الديوان - وفقاً لأحكام المادة التاسعة - تقوم بتطبيق الأنظمة واللوائح المالية والمحاسبية التي تخضع لها".
وبناءً على ما سبق، فإن المطلوب من ديوان المراقبة، حسب نظامه، التأكد من صحة كافة الحسابات المالية في الجهات الحكومية، ويرفع تقريراً بذلك إلى الجهات العليا المختصة، وبالطبع فإنه من غير الممكن عملياًّ القيام بمراجعة جميع المستندات المالية، لذا يلجأ الديوان إلى استخدام أسلوب العينة الإحصائية.
وحسب تصريح الديوان في الوسائل الإعلامية فإن اختيار العينة يتم على أسس علمية متعارف عليها لدى المنظمات الدولية، وتكون هناك ملاحظات جوهرية وغير جوهرية!
واستخدام أسلوب العينة هو وسيلة للحكم على كافة مصروفات الجهات الحكومية لتحقيق متطلبات نظام الديوان، وبالتالي إذا افترضنا أن صحة المدينة تعتبر وحدة إدارية مستقلة عن وزارة الصحة (وهذا هو الواضح) فإنه من المفترض أن الديوان قد اختار حجم العينة المطلوبة التي تمثل كافة المستندات بحيث يمكن التعميم على جميع حسابات المديرية.
لذا فإن الملاحظات على صحة المدينة يفترض أنها من العينة المختارة وبالتالي فإن باقي الحسابات الأخرى تكون طبقاً للأنظمة واللوائح النافذة، أما بالنسبة لوزارة الصحة فتكون المراجعة ناقصة بسبب اعتبار الفروع والمديريات مستقلة من الناحية الإدارية والمحاسبية.. فكيف يكون الحكم على حسابات الوزارة ككل؟
وليس هذا وحسب، بل إن اختيار وتحديد حجم العينة الإحصائية يتطلب ضرورة دراسة وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية، فبعد أن يقرر المراجع مستوى الثقة أو الاعتماد على نظم الرقابة الداخلية فإنه يستخدم أساليب العينة الإحصائية في اختيار أرصدة حسابات معينة، ومثل هذه الممارسة غير موجودة في ديوان المراقبة، حيث إن المراجعة بالديوان معظمها مكتبية حتى وإن كانت للديوان مكاتب ميدانية في بعض الجهات الحكومية تظل المراجعة مكتبية أيضاً.
وعلى هذا الأساس فإن ملاحظات الديوان على صحة المدينة ما هي إلا آثار لوجود مؤشرات خلل غير مؤكدة في أنظمة الرقابة الداخلية على الرواتب والبدلات، والدليل على ذلك أن تقرير الديوان لم يتضمن أية إشارة إلى أسباب وجود تلك المخالفات والتجاوزات.
فلماذا تم صرف كامل الرواتب والبدلات للمبتعثين إلى الخارج، وبالتالي مخالفة التعليمات؟ فهل هذه الرواتب صرفت بالخطأ أو في وجود خلل في نظام الرواتب؟ أو أن المديرية تعمدت ذلك بسبب غلاء المعيشة في بعض البلدان المبتعث إليها الموظف؟ أم أن هناك واسطة ومحاباة لبعض الموظفين المبتعثين؟ أم أن للمديرية تفسيرا آخر للتعليمات؟ وأخيراً، هل تمثل المبالغ المصروفة مشكلة جوهرية بالنسبة لإجمالي الرواتب أم أن الخطأ جوهري بالنسبة للحسابات؟
وكذلك بالنسبة لبدل العدوى المصروف لفني المختبر الذي يعمل في إدارة العلاقات العامة: فهل هناك حالات أخرى مماثلة؟ وهل هناك لوائح واضحة لصرف مثل هذه البدلات؟ وهل توجد حالات للواسطة والمحاباة؟ أو ربما أن الموظف تم تكليفه إضافة إلى عمله الأصلي؟ وهذا ما ينطبق أيضاً على الراتب المصروف للصيدلي الذي تم إنهاء عقده منذ ثلاث سنوات، فربما يكون الصرف بالخطأ أو أن هناك شبهة اختلاس من خلال استغلال اسم الموظف.
التقرير السابق للديوان يعتبر نموذجا لكيفية الرقابة المالية بشكل عام، وهو لا يحقق متطلبات نظام الديوان للأسف وبالتالي ضعف حماية المال العام، لذا تكون الملاحظات ضعيفة نسبياًّ وتأخذ وقتا طويلاً في الأخذ والرد والاستفسارات غير المجدية، ناهيك عن أنها تعطي شهادة من جهاز رقابي رسمي بسلامة الحسابات المالية للجهة الحكومية من الناحية النظامية والقانونية دون مراجعة حقيقية.
كان من المفترض عند التخطيط للمهام الرقابية على الرواتب والبدلات أن يتم أولاً فهم وتوثيق دورة المرتبات والإجراءات الرقابية عليها، وتحديد المهام وفصل الاختصاصات، وصلاحيات نظم المعلومات، ومدى اكتمال سجلات الرواتب فيها والتأكد من صحة احتسابها طبقا للأنظمة واللوائح، ثم تبدأ مرحلة تحديد المخاطر والأهمية النسبية وإجراء الاختبارات اللازمة للتحقق، ثم تبدأ مرحلة تحديد العينات الإحصائية والقيام بعمليات المراجعة، بعدها يتم تجميع الحسابات الأخرى التي تمت مراجعتها بالطريقة نفسها ليتم إعداد تقرير متكامل عن حسابات الوزارة الحكومية.
كما رأينا آنفاً فإن نظام ديوان المراقبة الحالي والذي يعتبره البعض عائقاً لتطوير الديوان، يتطلب إجراء المراجعة المهنية المتطورة، والأمر يحتاج فقط إلى المبادرة في التطوير من داخل الديوان نفسه، حينها ندخل في رقابة الأداء ونسأل عن جودة الخدمات الصحية المقدمة إلى المواطنين ودور كل من الوزارة والمديرية في هذا المجال.